د. أيّوب أبو ديّة



استضافت جامعة كويا في كردستان العراق، في نهاية شهر إبريل 2019، ندوة أكاديمية بعنوان «المثقف ومسألة التعايش المشترك» عُقدت بالتعاون والتشارك مع جامعة بغداد، لتنظيم ومأسسة الحوار العربي الكردي، وأُهديت لذكرى المفكرين الراحلين هادي العلوي وفالح عبد الجبار.

مثّلت الندوة تجربة ممتازة للتعرف إلى مضيفينا وتفهم رغباتهم في الحوار. كذلك سعدت لأن منتدى الفكر العربي في عمّان قد استضاف هذا الحوار في ما مضى، كما عهدنا دوماً المبادرات الأردنية الريادية على الصعيد العربي في المجالات كافة.

لا يمكن للإنسان إلا أن يتعلم من الحوار وبخاصة إذا كان وجهاً لوجه، فقد تعلمنا من الحاضرين أنهم يمقتون نعتَنا لهم بالأكراد لأنها تقابل عندهم «الأعراب» باللغة العربية، لذلك كنا حريصين على أن نستخدم كلمة «كُرْد» كصيغة جمع؛ وقد ذكّرني ذلك بحوارات سابقة مع أشخاص يونانيين حيث عبّر لي أحدهم أنهم يفضّلون استخدام كلمة «هيليني» على كلمة «يوناني»، لأن كلمة «يونان» (Greeks) أطلقها الأتراك عليهم، لذلك فهم يتحسّسون منها كثيراً. وسواء اتفقنا مع هذا التفسير أم لم نتفق، فلا بد من تفهُّم هذه الحساسيات واحترامها كبداية ضرورية لأيّ حوار.

وفوجئت بضعف اللغة العربية لدى أغلب الشباب هناك، بل انعدامها في الكثير من الأحيان، لذلك طالبت أن يتم مأسسة الحوار انطلاقاً من أهمية تعليم اللغة العربية للأجيال الناشئة في مدارس كردستان، بينما طالب بعضهم أن نتعلم نحن اللغة الكردية؛ فكان جوابي واضحاً أنه لا بأس بهذه الفكرة، وبخاصة في ما يتعلق بالمحافظات القريبة من كردستان، ولكن بشكل عام فإن الحضارة العربية الإسلامية استوعبت الجميع من عرب وغيرهم، فكتب الفارابي تركي الأصل باللغة العربية، وكتب ابن سينا فارسي الأصل باللغة العربية، وكتب اليهودي ابن ميمون أهم كتبه باللغة العربية، ولم ينتقص ذلك من كبريائهم القومي.

وفي سياق التقارب العربي الكردي اقترح د.عبد الحسين، وأثنيت على رأيه، أن يبادر الكرد إلى تقليص حجم تعاونهم مع إسرائيل، لأن ذلك التعاون في ظل تدمير إسرائيل الممنهج لأيّ أمل للسلام وقمعها الشعب الفلسطيني واستمرار خططها الاستيطانية في فلسطين، إنما يجرح مشاعر العرب، وبالتالي يجعل من الحوار العربي الكردي أكثر صعوبة.

وفي ما يتعلق بالدولة العراقية ما قبل صدّام حسين وبعده، كان لا بد من الإشارة إلى الجوانب الإيجابية في ما يتعلق بحقوق الأكراد لإدارة شؤونهم الخاصة والتمتع بحريات واسعة، وقد حققت الدولةُ العراقية العميقة لهم ذلك على نحوٍ لا يمكن مقارنته بالتشدد الإيراني والتعنت التركي الذي لا يعرف في قاموسه أيّ لغة تفيد الحوار.

من الواضح أن المؤتمر كان سياسياً بامتياز وبخاصة من عنوان جلسته الأولى: «الحوار العربي الكردي بعد الاستفتاء». وطالما أن ذلك ليس من تخصصي أو ضمن نطاق ممارستي، فقد قدمت مشروعاً في الفلسفة السياسية يقوم على ما ينبغي أن تكون عليه الأحوال, فجاء عنوان مداخلتي: «الدين والعلمانية والمساواة: عدالة التعايش أم الاندماج؟».

وفي محور «الدين والمساواة» حاولت أن أطرح فكرة المفكر المصري فرج فودة في ما يتعلق بذلك، حيث أن اكتناز المال في حضارتنا أدى إلى فتنة عثمان واستمر في تاريخنا يتأرجح بين مدّ وجزر حتى وصلنا إلى التجربة الإسلامية الأخيرة في السودان التي انكشفت أسرارها وطغيانها بعد الثورة الشعبية الأخيرة, كذلك كانت تجربة أوروبا المسيحية في القرون الوسطى.

وفي عنوان ثانٍ حول «العلمانية والمساواة» حاولت توضيح فكرة أن التجربة الدولانية في العالم العربي لم تكن علمانية أبداً، رغم أن بعض الدول العربية ما زالت تلمح بأنها دول علمانية ذات طابع اشتراكي، ولكنها في الحقيقة دولة الرجل الواحد الذي تحيط به مجموعة من الأولوغارشية كما عبّر عنها السفير د.غازي فيصل حسين، وبالتالي لا يمكنها تحقيق أيّ مساواة في ظل هذا النمط من الحوكمة.

وفي تداخل ثالث تحدثتُ عن الفرق بين التعايش والاندماج، وحاولت تبيان أن التعايش مفهوم مؤقت وغير مستدام، علماً أن عنوان المؤتمر كان حول تعايش العرب والكرد؛ إذ حاولت توضيح الفرق ين التعايش والتسامح وكيف انطلقت فكرة التعايش والتسامح في بريطانيا في القرن السابع عشر مع المفكر الإنجليزي «جون لوك» وكان مضمونها قبول الآخر المختلف في فترة بلغ الصراع فيها بين الكاثوليك والبروتستانت أوجَه. لذلك دعوت إلى التفكر في مفهومَي الاندماج والمواطنة حيث لا يمكن أن يتحقق هذان المفهومان خارج إطار الديمقراطية.

وانتهيت إلى توصيات ثلاث للمؤتمر بدأتها بضرورة وضع استراتيجيات تعليم مناسبة للّغة العربية كي تكون قاعدة لأيّ حوار بين العرب والكرد, وقد ضرب د.سربست نبي، رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر، الكردي سوري الأصل، مثلاً طيباً في اندماج كرد سوريا ضمن الدولة السورية، إذ استشهد في أكثر من مقام بفخره واعتزازه كونه سورياً، ويوضح ذلك أهمية التربية والتعليم والنشأة في صياغة شخصية الإنسان وثقافته وانتمائه.

ثم وضحت فكرة أن الحوار العربي الكردي ينبغي أن يكون مقدمة وليس نتيجة، لأننا في العالم العربي بحاجة إلى حوارات في دولنا جميعاً، ففي المغرب العربي لا بد من الحوار العربي الأمازيغي، وفي السودان لا بد من الحوار العرقي القبائلي، وفي لبنان هناك حوارات ضرورية لا تعد ولا تحصى، وهكذا دواليك.

أما التوصية الثالثة والأخيرة، فكانت دعوة إلى اعتبار التعايش مرحلة انتقالية للعبور إلى مفهوم أعمق وأكثر استدامة، ألا وهو مفهوم الاندماج، والذي لا يمكن أن يتحقق إلا في ضوء ديمقراطية يتم التأسيس لها من خلال الدستور العراقي الذي اتفق المؤتمرون أن هناك ثغرات كثيرة فيه ينبغي معالجتها، على الرغم من أهمية الدستور الحالي كقاعدة تؤسس للحوار، وبخاصة حول قضية «المكونات» التي جاءت مواد الدستور على ذكرها كثيراً.