علي مصلح المطرفي

العبادات في الإسلام لها أثرٌ كبيرٌ في تهذيب النُّفوس واستقامة السلوك، وتطهير النفس وتزكيتها من الأدران، وإصلاحها وتجديد العودة والإقبال على الله.

كما أنَّ لها أثرَها الواضح على استقامة خلقِ المسلم وصفاء رُوحِه، وحُسن أدائه للأعمال الموكلة إليه.

والعبادات التي أوجَبَ الله على خلقه حقيقتها وصورتها لتكونَ الصلة المباشرة بين الإنسان وخالقه، وبها يعرفُ المسلم المتَّبع لدينه من غيرِه.

وهي أشبهُ بالمحطَّات على طريق الحياة يقفُ فيها الإنسان مباشرةً فيُناجي ربه ويدعوه فيتزوَّد بالتقوى والاستقامة، ويتغلَّب على أهوائه وشهواته، ويلجأ إليها كلَّما حزبه أمرٌ، أو أحاط به ضيقٌ.

وهذه العبادات إلى جانب أنها صلةٌ بين الإنسان وربِّه، فهي وسيلةٌ لإيجاد صلة خيِّرة بين الفرد والمجتمع، وهي تُربِّي الفرد، وتعدُّه للحياة، وتهيِّئ النُّفوس للجهاد والنِّضال في معارك الحياة.

والصيام شعيرةٌ من الشعائر الإسلامية العظيمة، وعبادة من العبادات التي لها أكبرُ الأثرِ في حياة المسلم روحيًّا وخلقيًّا واجتماعيًّا؛ ذلك أنَّ شهر رمضان موسمٌ عظيم من مواسم الخير؛ تصفو فيه النفوس، وتقترب القلوب من خالقها، وتفتح فيه أبواب الجنَّة، أنزل الله فيه القرآنَ على نبيِّه العظيم -صلى الله عليه وسلم- هُدًى للناس وفرقانًا بين الحق والباطل وتبيانًا لسبل الخير.

وهو من العبادات والشعائر التي تعبَّد الله بها الأمم السابقة؛ يقول-سبحانه وتعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

وشهر رمضان شهرٌ كريم، ومناسبة عظيمة فيها من المحاسن والصلة والبركات ما لا يمكن أنْ يُحصَى، ولا ريبَ فهو شهرُ القُرآن الكريم، وفيه ليلةُ القدر خيرٌ من ألف شهر، وهو شهرٌ نهاره صيام، وليله قيام، شهرٌ يَبعثُ في الإنسان فضائل عديدة، وآثارًا ممتازة؛ مثل الرحمة، والشفقة، والعطف على الفقراء، والمساكين، والبائسين، وهو شهر الصبر؛ لأنَّ الصوم نصفُ الصبر، والصبر نصف الإيمان، وهو شهر التقوى.

والصوم ركنٌ من أركان الإسلام الخمسة، وهو فرض عين على كلِّ مسلم قادر مقيم، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((بُنِي الإسلامُ على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً))؛ .

وفي سورة البقرة آية 183 قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، "فقد بيَّنت الآية أنَّ الصيام فريضة الله في كلِّ دين أنزَلَه الله، ودين الله في صيغته الأخيرة الخاتمة والناسخة قد فرض فيه الصوم بصيغةٍ نهائية وخاتمة وناسخة؛ ولذلك كان صومًا ما شئت أنْ ترى من واقعيَّته إلا رأيت، ومن سهولته إلا رأيت، ومن نفعه إلا رأيت، ومن آثاره الطيِّبة على الحياة البشريَّة اجتماعيًّا وسلوكيًّا وعمليًّا إلا رأيت".

ذلك أنَّ الصوم مدرسةٌ إسلاميَّة عظيمة تُربِّي الإنسان بكلِّ مكوناته ومقوِّماته النفسيَّة والجسميَّة والروحيَّة والخلقيَّة والاجتماعيَّة؛ إذ إنَّ للصوم حِكَمًا كثيرة وفوائد جمَّة من الناحية الاجتماعيَّة، ومن الناحية الفرديَّة منها: العطف على المساكين؛ لأنَّ الصائم عندما يعضُّه الجوع يتذكَّر من هذا حاله في عموم الأوقات، فيحمله هذا على رحمة المساكين؛ لأنَّ الرحمة في الإنسان تنشأ عن الألم والصيام طريقة عمليَّة لتربية الرحمة في النفس، ومتى تحقَّقت رحمة الغني للفقير الجائع أصبحت للكلمة الإنسانية الداخليَّة سلطانها النافذ.

والصيام يُعوِّدُ المسلم الصبرَ بكلِّ أنواعه فيتعوَّد مثلاً: الصبر على الطاعة، والصبر على المعصية، والصبر على أقدار الله المؤلمة، وقد أشار المصطفى -صلى الله عليه وسلم- إلى هذا الأثر للصيام بقوله عن رمضان: ((...وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة)).

ومن حِكَمِ الصوم المساواةُ بين الأغنياء والفقراء؛ فالصيام نظامٌ عملي من أقوى وأبدع الأنظمة؛ "فالصوم يُؤدِّي إلى إشعار النفس الإنسانية بطريقةٍ عملية أنَّ الأخوَّة الصحيحة والمحبَّة الصادقة تتمثَّل بالشعور في التساوي، لا حين الاختلاف وحين العطف والإحساس بألم المحتاج والفقير، لا حين النِّزاعات والخصومات"؛

فالصيام يُقوِّي الصلة بالله، ويزيدُ وينمي في الإنسان ملكة التَّقوى والمراقبة والإحساس بوجود ربِّه، لا يخفى عليه شيءٌ من أمره؛ فتكون عبوديَّته خالصة له، وتكون عبادته صادقة خاشعة.

يقول الزنتاني (1984م) في هذا الشأن: "يُقوِّي الصوم عزيمة المؤمن وقُدرته على التحمُّل والصبر ويعدُّه لمواجهة الصعاب والمشاق والشدائد التي قد تعترضُه في حياته بروحٍ إيجابية وهمَّة عالية... كما يُقوِّي الصوم لدى المؤمن الميل الطبيعي للانتماء الاجتماعي، فيعمل على رعاية حقِّ الجماعة، ويحرص على تآزُرها وتكافُلها وتراحُمها وتماسُكها كما يشيعُ الصوم بين الجماعة قيم العدل والمساواة والإحسان والتراحُم، فيَصُونها من الرذائل والمفاسد والشرور"؛

وللصيام في شهر رمضان دروسٌ تربوية تُربِّي النفوس على الكفاح واحتمال المكاره والتمسُّك بالفضائل الاجتماعيَّة، كما أنَّ للصيام دروسًا تُربِّي الروح على الاتِّصال بالواحد الدَّيَّان صلاة وصيامًا وذكرًا ودعاءً واعتكافًا وعطاءً، كما تُربِّي المسلم على تقوية إرادته، وضبط النفس، والصبر، والجلد، والتحكُّم في الذات، وكبح الشهوات، وعلى سائر فضائل الأخلاق ومحاسنها.

- أنَّ الصيام يُربِّي المسلم على السيطرة على الجانب المادي في حياته كلها، ويدفعُه إلى التغلُّب عليه، والانتصار للجانب الروحي والمعنوي.

- أنَّ الصيام يُطهِّرُ النفسَ الإنسانية من الأدران ويُزكِّيها.

- الصيام يُربِّي المسلم على التضحية والمبادرة بكلِّ ما يملكُ في سبيل الدِّفاع عن الدِّين وعن كلِّ القيم الإسلاميَّة.

- الصيام مدرسة خلقية تُربِّي المسلم على الصدق والصبر والأمانة والوفاء بالعهود والمواثيق، وعلى الشجاعة ورباطة الجأش والوعي والانضباط.

- يُنمِّي الصيام التكافل الاجتماعي لدى المسلمين ويدفعُهم إلى معاونة إخوانهم الفقراء والضعفاء والأرامل والأيتام.

- الاهتمام من قِبَلِ أولياء الأمور بتعويد الناشئة على الصيام وتدريبهم عليه حتى يُؤهَّلوا روحيًّا وخلقيًّا منذ الصِّغَرِ.

- توحيد جهود الجماعات الخيريَّة في حُسن استغلال الزكاة وسائر الصدقات من أجل تعهُّد المحتاجين من الأرامل والأيتام والمساكين والأخْذ بأيديهم.

ان الصيام وآثاره التربويَّة على حياة وشخصيَّة المسلم يحتاجُ إلى عقليَّة علميَّة مطَّلعة وواسعة وعلى قُدرة استنباطيَّة ممتازة من أجل دراسة الآيات القرآنيَّة، والأحاديث النبويَّة، وأقوال علماء الأمَّة، واستخراج الفقه التربوي منها، إلا أنَّ ما لا يُدرَك جلُّه لا يُترَك كلُّه، دفعني للإسهام في مجال دراسة أثر الصوم التربوي في حياة المسلم حسبما أسعفَتْني به معلوماتي، ومحاولة إضافة شيءٍ جديد في ميدان التربية الإسلاميَّة.

ذلك أنَّ رمضان المبارك وصيامه صيامًا حقيقيًّا مدرسة روحيَّة وخلقيَّة واجتماعيَّة يتزوَّد منها الصائم ما يحتاجُه في حياته كلِّها، وفي كلِّ شؤونه ومسؤوليَّاته نحو نفسه ونحو خالقه ونحو أسرته وأقاربه وأمَّته.

وبعدَ دراسة ومناقشة الصيام وآثاره التربويَّة من خلال ما جاء في القُرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة المطهَّرة، وما كتبه بعض علماء الأمَّة الإسلامية وبعض كُتَّابها عن الصيام وأحكامه وحِكَمِه وما قِيلَ عنه من أراء تربويَّة واجتماعيَّة ومعايشة ذلك وقتًا من الزمن توصَّلت هذه الدِّراسة وتلك المناقشة إلى النتائج التالية:

1 - أنَّ الصيام شعيرةٌ من الشعائر الدينيَّة وركنٌ من أركان الإسلام، حظيت باهتمام الإسلام كتابًا وسنَّة، وكذلك اهتمَّ بها علماء المسلمين سلفًا وخلفًا من حيث وجوبُه وآدابه وشروطه ومبطلاته وثبوته، ومعالجة ذلك بالكتابة والتأليف والتصنيف والشرح والوعظ والإرشاد والتوجيه.

2 - أنَّ الصيام يُربِّي المسلم تربيةً روحيَّة ممتازة تجعلُه تقيًّا ورعًا يُراقب الله في كلِّ حركاته وسكناته وسره وعلنه.

3 - أنَّ الصوم يُربِّي المسلمَ على السيطرة على الجانب المادي في حياته كلِّها ويدفعُه إلى التغلُّب عليه والانتصار للجانب الروحي والمعنوي.

4 - أنَّ الصيام يُربِّي المسلم على سدِّ باب الفتن والغواية بكلِّ أنواعها وأشكالها، ويجعل له حصنًا منيعًا أمام كلِّ التَّيَّارات الوافدة عليه.

5 - أنَّ الصوم يُربِّي في المسلم الحرصَ الشديد على اكتساب الفضائل والاتِّصاف بها والبُعد عن الرذائل ومحاربتها، كما يُطهِّر النَّفس الإنسانيَّة ويُزكِّيها من الأدران والمعاصي ويُصقلها صقلاً يجعلُ المسلم ذا شفافيةٍ عاليةٍ وحسٍّ مرهف.

6 - أنَّ الصوم يُربِّي المسلم على الجمع بين القول والعمل وإعداده للقبول ويُهيِّئه للفهم والإدراك، كما يزرع فيه حبَّ التحرِّي والدقَّة في كلِّ ما يتغذَّى منه من مَأكَلٍ ومشربٍ.

7 - يُكوِّنُ الصوم الرغبة لدى المسلم في العمل الصالح قبلَ حفظ المعلومات عنه.

8 - يجعلُ الصوم لدى المسلم ملكةً فكريَّة يميِّز بها الأفكار الصائبة من الأفكار المشوبة.

9 - يدفعه إلى تجديد العودة إلى الله والإقبال عليه والكف عن الأعمال الذميمة، ويُساعده على صَفاء الذهن وسلامة الفكر وتنشيط الذاكرة.

10 - ينقي الصوم روح المسلم من كلِّ الشوائب؛ فيدفعه ذلك الأثر إلى خفَّة حركة أعضائه نحوَ الطاعات ويُفيده رقَّة القلب، وشفافية الروح، وكبح جماح الشهوة، ودفع الطُّغيان النفسي، وطهارة سائر جوارحه.

11 - يعمل الصوم على تقوية إرادة الصائم وشحْذ همَّته.

12 - يُربِّي الصوم في المسلم تهذيبَ منطقه، وتهذيب كلِّ ما يصدر عنه من أقوال وأفعال؛ من خلال حفظ اللسان من الرفث والصخب، مع تعريف المسلم بمهامِّ جوارحه ووظائفها.

13 - تنمية الروح الجهاديَّة من حيث بذْل الجهد في تنفيذ التعاليم الربانيَّة، ومجاهدة النفس وإجبارها على سلوك منهج الله.

14 - الصوم يُربِّي المسلم ويُوعِّيه على التدرُّج في معالجة الأمور، وكسب النتائج من خلال المعالجة الحكيمة.

15 - تقوية وتنمية مبدأ الحرية ودقَّة الرقابة وضبط النفس؛ من خلال إشعار الصائم بمسؤوليَّاته عن نفسه وتحمُّل المتاعب والمشاق عن طواعية واختيار، والتغلُّب على العادات والعواطف.

16 - الصوم مدرسةٌ خلقيَّة يُربِّي المسلم على الصدق والارتقاء الخلقي والرغبة في معالجة الأمور والاتِّصاف بخلق الحياء.

17 - الصوم يُربِّي في المسلم غضَّ البصر عن المحرَّمات، والعمل على كسب رضا الله ومحبة الناس.

18 - الصوم يُربِّي في المسلم الصبر والتحمُّل وتهذيب سلوكه، والانفكاك من أسْر الشهوات، وتربيته على الانضباط والوعي ودقَّة المواعيد.

19 - الصوم يُربِّي المسلم على الاستقامة وتنميتها لديه من خلال مُراقبة الله في السر والعلن، وأداء الواجب على الوجه المشروع، والإخلاص فيه ومداومة محاسبة النفس.

20 - تعويد الناشئة على أداء الأمانة والوفاء بالعهد والمواثيق.

21 - يعمل الصيام على تنمية التكافل الاجتماعي من خلال وجوب زكاة الفطر وإخراجها لفقراء المسلمين، والإسهام في إسعاد المحتاجين، وتشجيع الغني على الأخْذ بيد العاجزين والأرامل واليتامى.

22 - يعمل الصوم على نشر المحبَّة والمودَّة داخل المجتمع، وتنمية روح البذل والسخاء، وتعود البر والإحسان نحو الوالدين والأقارب والجيران.

23 - تكوين العاطفة والرحمة في نفوس المجتمع؛ من أجل تعميق التضامن الإسلامي بين أفراده.

24 - تربية المسلم على حبِّ العدل والمساواة ومعايشتهما عمليًّا.

25 - تربية المسلم على حبِّ خُلُقِ العفَّة والنزاهة، والبُعد عن الغيبة والنميمة وما شابه ذلك.