كتب - ناصر الشريدة

أرخت خمسة وعشرين عينا ونبعا وشلالا في لواء الكورة، جدائلها التائهة التي تتراقص مع موسيقى تدفقها وانسيابها، لتبحث عن الذي ينعش آمالها في إعادة تشكيل لوحتها المائية الجميلة، وخريرها الأخّاذ بين أحضان الطبيعة، إلى أن تبلغ منتهاها بإقامة المنتجعات السياحية بعد أن غالبها النسيان لإعوام طويلة.

وقال المهندس سفيان الزيوت، لا يتصور الزائر للواء الكورة، كمّ الجمال الذي يشاهده بين أحضان العيون والينابيع والشلالات والسيول، حين تلامس جسمه قطرات ورذاذ المياه، ويتعمق به الغزل والعشق، حين يعايش تضاريس خلابة تجمع بين السهول والوديان والجبال والهضاب، على مساحة (210) آلاف دونم غطت أشجار الغابات (52) ألف دونم منها.

وتبرر وزارة المياه والري إغفالها استغلال تلك العيون والينابع والشلالات، على أنها بنت وقتها في فصل الشتاء، وما تلبث أن تختفي وتغفو في سباتها العميق خلال فصول العام الأخرى، ولا داعي لتطويرها وتحسين تدفقها أو استثمارها واستغلالها في مشاريع ذات فعالية اقتصادية على حياة أبناء المنطقة.

ويذكر محبو الطبيعة في الكورة، أن دهاليز وأخاديد تدفق عيون سرين، وزوبيا، وديرابي سعيد، وزقيق، وعز، والبيضا، وأميرة، وينابيع نهير والجحجاح، وشلالات طاقة ناجي، وأبو شقير، والرشراش، وراءها حكاية تطرب لسماعها الآذان، ونغمات يرددها ساكنوها وجيرانها للزائرين والمهتمين والباحثين.

ويعتقد أهالي مناطق الكورة وجوارها، أن وزارة السياحة ومؤسسة تشجيع الاستثمار، لو اهتمت بهذه العيون والينابيع والشلالات منذ ثلاثين عاما، وأقامت عليها منتجعات سياحية بكامل متطلبات البنية التحتية، لن تجد متعطلا عن العمل في المنطقة، لا سيما أن وزارة المياه والري لم تستغلها وتستخدمها في مياه الشرب.

ويرجع محمود بني عامر تسمية عين سرين القابعة في الجهة الشمالية الشرقية في قعر وادي سحيق صخري ببلدة تبنة وسط لواء الكورة، إلى ملكة رومانية ذات جمال غير طبيعي، عاشت في المنطقة، وكانت العين التي تتدفق من بين صخرتين كبيرتين مصدر مياه الشرب لاتباعها.

وبقيت عين سرين عبر الأزمنة المتعاقبة، مصدر مياه الشرب لسكان المنطقة وما حولها حتى عام (1970)، فضلا عن وجود صحن حجري بمساحة عشرين مترا مربعا، كانت تتجمع فيه المياه المتساقطة، ويتخذه الشباب مسبحا يقضون فيه الساعات الطويلة، تتخللها حفلات السمر، حيث كانت تحيط بالمكان أشجار حرجية، وصخور تشابه في لونها الأحمر والعسلي المسحور بالسواد «البترا».

والناظر إلى عين زوبيا حسب محي الدين ملحم، التي تحتضنها غابات برقش على امتداد البصر، يصاب بالدهشة بسبب الإهمال والنسيان الذي تعيشه من عشرات السنين، رغم جمالية موقعها وكثافة أشجارها الخضراء، حيث تسيل مياهها العذبة الصافية في مجرى طوله (5.5) متر مرصوف بحجارة كبيرة منتظمة إلى الوديان المجاورة التي تحيط بها أشجار المملول والعبهر والبطم والقيقب الحرجية.

وقال محمد مبارك مناجرة رئيس بلدية كفرابيل السابق، حين تتجه إلى جنوب غرب بلدة كفرابيل، تجد عين زقيق المحفورة في الصخر، تخفي بكهوفها الصواعد والنوازل الرسوبية، ناهيك عن لوحاتها المائية الخلابة، مبينا أن اسمها ارتبط بخربة أثرية ترجع في تاريخها للعصور البرونزية والحديدية والرومانية والبيزنطية وفق العالم الألماني سيخ فرنزبتمان الذي زارها عام 1963.

ويشعر أهالي بلدة ديرابي سعيد باطمئنان كبير، بوجود عين ديرابي سعيد التي تتدفق من تحت مسجدها الكبير وتنساب نحو الوديان، صانعة بساطاً نباتياً جميلاً، وفق أسامة الرشدان، الذي يقول إن الأهالي كانوا يشربون منها حتى العام (1983) بعد أن أدخلت الحكومة شبكات وخطوط المياه، مشيرا إلى معلومات كان يسمعها من الباحثين، أن منطقة العين مثلت في العصور الرومانية والبيزنطية مستوطنة زراعية ريفية.

وقال المواطن محمد زهير الذي يسكن بجوار عين عز بوسط بلدة ديرابي سعيد، إن تسميتها ترجع إلى صاحب الأرض أنذاك، حيث كانت المنطقة تشهد هطولا غزيرا للأمطار والثلوج، ما يجعل تربتها من الصخور الكلسية الجيرية المتشبعة حاضنة للمياه التي ما تلبث أن تتدفق وتسقي العباد والزرع.

واحتلت عين أميرة الواقعة على ضفاف هضبة مطلة على منطقة عيون الحمام وتنساب منها مياه عذبة بلون الثلج، حسب أكرم المستريحي، موقعا يشار له بنان، لجمال تكويناته وتمويهاته التضاريسية، حتى إن الناظر دونها يرى كروم التين والزيتون تترامى تيها من شدة اخضرارها وغزارة ثمارها وإنتاجها.

ولا زالت عين البيضا غرب ديرابي سعيد والرفيقة لبساتين وادي أبو زياد المزروع بأشجار الرمان والفاكهة الصيفية، تشد وتجذب الزوار رغم استغلال مياهها العذبة في الزراعة، وسط حالة من إهمال غير مسبوقة، حسب المختار محمد سعيد العمري.

وذكر الباحث البيئي الدكتور أحمد الشريدة، أن لواء الكورة يحتضن أربعة شلالات مياه، تنتشر من شماله إلى جنوبه، تشكل في وجودها حالة من الفضاء المائي الذي يُهدئ أسارير زوارها، فهناك شلال طاقة ناجي الذي يتوسط وادي زقلاب، ويتدفق من مقطع صخري يبلغ ارتفاعه عشرة أمتار، وما يزيده جمالا وجود تكوين مائي مصطنع يعرف بالمصفاة على مقربة منه.

وتابع، وحين تتجه شرقا يُقابلك شلال أبو شقير العتيد الذي يتجاوز ارتفاعه اثني عشر مترا، ويقبع بين بساتين رمان وادي زقلاب، حيث تتدفق مياهه العذبة عبر الصخور إلى حفرة دائرية الشكل ثم تنساب بين الوديان غربا، لتروي البساط الأخضر من المزروعات والأشجار المثمرة.

ويعد شلال طاقة ناجي شق التوأم لشلال أبو شقير في وادي زقلاب غرب بلدة ديرابي سعيد، ويشكلان معا مصدر إلهام أثري لموقعي عين صبحا وتل أبو الفخار، وتقدر كمية التغذية المائية من مياه الامطار لوادي زقلاب دائم الجريان بنحو (9) ملايين متر مكعب في العام، وتنتشر عليه (12) نبعا وعينا، يبلغ مجموع تصريفها نحو (500) متر مكعب/ الساعة.

وفي جنوب لواء الكورة، ينتظرك درة الشلالات الاردنية واطولها واجملها، شلال الرشراش غرب بلدة كفرابيل، الذي لا يمر يوم حتى ينشد الزوار لحن العودة إليه كلما غادروه، إنه تحفة، ولكن غيبته وزارة السياحة عن الخريطة السياحية الأردنية دون مبرر.

ويستعيد أبناء ديرابي سعيد والسمط ومرحبا وكفرالماء ذكريات الغدير أو الجحجاح، حين كانوا يقضون الساعات في أيام الصيف، وهم يسبحون في مياهه العذبة القوية الآمنة ودائمة الجريان، التي لم يشعروا وهم في أحضانها بالخوف بقدر شعورهم بلذة الحياة ومتعتها وسط أهازيج شعبية.

وأشار ابراهيم الزعبي، إلى أن الكورة تجمع بين العيون والينابيع والشلالات، عدة سيول مائية تمثل شرايين حياة في الجوانب الاقتصادية والزراعية، فهناك سيل وادي الريان بجديتا الذي ينعش زراعة 700 دونم من أشجار الرمان والفاكهة وسيل زقيق كفرابيل الذي يسقي العطشان لجودة مياهه العذبة، وسيل النهير غرب كفرابيل الذي يروي 50 دونما من أشجار الحمضيات والخضراوات، وسيل أبو زياد ووادي زقلاب اللذان يرويان 500 دونم من أشجار الرمان والفاكهة.

ويجمع كل من يزور لواء الكورة أو يقرأ عنه، أنه لوحة فسيفسائية تنتشر عليه نقاط الزراعة والمياه والسياحة والآثار، ما يؤهلها لتكون محط استثمار أردني بامتياز، بتحويلها إلى منطقة خاصة تمثل نموذج اللواء المكتفي ذاتيا، فهل تحقق الحكومة حلم أبناء المنطقة الذين يعبرون عن انفسهم بانهم اللواء المنكوب رغم كل هذه المقومات؟