أبواب - غدير سالم

شهر رمضان فرصة لا تعوض للتغير نحو الأفضل، بالإقلاع عن التصرفات السلبية، بتعديل القيم والمفاهيم على أساس الإلتزام بالمبادئ والثوابت الإسلامية خصوصا وأن الشهر الفضيل يمنح المسلم قدرة على التحكم في رغباته وسلوكياته.

يقول الإستشاري الإجتماعي الدكتور فيصل غرايبة :«يتميز شهر رمضان من بين شهور العام، بتتعدد أوجه تفهمه من الصائمين، فمنهم من يفهمه أنه الامتناع عن الطعام والشراب، ويفهمه آخرون أنه المحافظة على الصلاة جماعة في وقتها، بينما يركز اخيرون على دعم صيامهم بإقامة الولائم للوجهاء إلى جانب دعوات مماثلة لذوي الأرحام والقربى».

ويضيف :«هذه تصرفات وسلوكيات حميدة إلا أنها لو اجتمعت في شخص كل صائم وصدرت عن سلوك كل منا واستمررنا على منوالها إلى ما بعد انقضاء الشهر الفضيل لكانت أفضل وأروع وأبلغ».

ويلفت إلى أنه :«عندما يستمر الإنسان القادر بالسؤال عن المحتاجين وتفقد أحوال الفقراء ويُقدم لهم الزكاة والصدقات، ولا يتوانى عن فعل الخير، ويتجنب إيقاع الأذى بالغير أو الإساءة الى الآخرين، يستطيع بكل ذلك الابتعاد عن النميمة والإستغابة وترويج الشائعات والمفاهيم الخاطئة وتهويل أخطاء الآخرين والتشهير بهم وانتقاد تصرفاتهم، والتركيز على عيوبهم».

ويرى الغرايبة أنه :«رغم الأحاديث والمواعظ والدروس الكثيرة التي تعرض على المحطات التلفزيونية وتلقى على منابر المساجد، وتسعى إلى توضيح رسالة الإيمان في رمضان وفي تبيان الهدف الأبعد من الصيام، إلا أن الممارسات التي تستمد من روحانيات المناسبة، ما تزال غير موجودة لدى بعض الصائمين».

ويوضح :«يفترض أن تبنى العلاقات الإنسانية في رمضان على التواد والتسامح،لكن ذلك لا يبدو موجودا في سلوكيات بعض الناس، إذ تقوم علاقاتهم على المواجهة وعدم التغاضي عن الأخطاء والهفوات، وتشوبها السلبية والإعراض كما كانت قبل رمضان ولا تتغير بعد انقضائه».

ويشير الغرايبة إلى أن:«النفحة الإيمانية تقتضي من المقتدرين ماليا أن يبادروا إلى إطعام الفقراء والمعوزين ومد يد العون لهم بمختلف الوسائل كالزكاة والصدقة والهدية».

ومن طرق التغير نحو الأفضل في رمضان الإلتزام بالوقت وإحترامه، يقول إن:«بعض الصائمين يجدون في صيامهم مبرراً لخرق التوقيت وهدر الوقت، وخاصة في الإنتظام بالدوام الرسمي وتصريف الأعمال بدقة، وبذل الجهد بالمعدل المقرر او المتوقع، فنرى ظواهر الحضور المتأخر والإنصراف المبكر، وهو ما ينبغي أن يقل أو يختفي بعد رمضان».

ويلفت إلى أن:«هناك اختراقا من نوع آخر للإنضباط يتمثل في إغلاق سيارات المصلين للساحات والشوارع المحيطة بالمساجد وخصوصا في مواعيد صلاة الجمعة وصلاة التراويح، فليجأ البعض إلى إيقاف مركبته في عرض الشارع أو إغلاق أبواب الكراجات الخاصة، مما يسبب الغضب والتوتر والإرتباك لأصحاب المنازل».

ويشدد على ضرورة أن:«تختفي هذه التصرفات في رمضان وبعده، فلنراقب أنفسنا أفراداً وجماعات ونقيّم سلوكنا ونقومه وفقاً لما علمنا رمضان من دروس في الإستقامة والفضيلة».

ويلفت الغرايبة إلى أن :«المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية خلصت في بحث لها إلى أن الدين يقوم بدور مهم في إشباع الحاجات البدنية والروحية، ويعلمنا الإسلام نظاماً أخلاقياً للسلوك ويعطينا معنى للوجود في الحياة».

ويشير إلى أن :«المنظمة الإسلامية بينت أن الصحة النفسية الإجتماعية تتحقق بقوة الصلة بالله، وهي أمر أساسي في بناء الإنسان في المراحل الأولى من عمره حتى تكون حياته خالية من القلق والإضطرابات النفسية، وبالثبات والتوازن الإنفعالي، فالإيمان بالله يشيع في القلب الطمأنينة والثبات والإتزان ويقي المسلم من عوامل القلق والخوف والإضطراب، عدا عن الصبر عند الشدائد فالإسلام يربي في المؤمن روح الصبر عند البلاء».

ويضيف :«المؤمن متفائل دائماً لا يتطرق اليأس إلى نفسه، حيث انفرد الإسلام بأن جعل سن التكليف هو سن البلوغ للمسلم، وهذا السن يأتي في الغالب مبكراً عن سن الرشد الإجتماعي الذي تقرره النظم الوضعية، وبذلك يبدأ المسلم حياته العملية وهو يحمل رصيداً مناسباً من الأسس النفسية السليمة التي تمكنه من السيطرة على نزعاته وغرائزه».

ويقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي إن:«الحديث عن الصيام وفوائده لا يقتصر فقط على النواحي الشرعية والدينية بحكم أن الصوم فرض على كل مسلم ومسلمة، ولكن هناك معاني نفسية وروحية كثيرة للصيام ومن الصعب احصائها وتعود بالنفع على الفرد من كافة النواحي الجسدية والعقلية والنفسية والروحية».

ويشير إلى أن :«الصيام يساعد على التغير نحو الأفضل فهو يعلم الإنسان الصبر والتحكم بالإنفعالات وبالتالي يعمل على ضبط الإنفعالات السلبية وبمجرد أن يقول الإنسان «اللهم إني صائم» فهو يطلب من الله أن يعطيه الصبر والتحكم بإنفعالاته، ويعلم الصيام الإنسان كيفية التخلص من العادات السلبية مثل التدخين».

ويتابع :«الصيام كالعلاج المعرفي السلوكي الذي يركز على الأفكار وبالتالي يركز على السلوك والجسد ومن ناحية الأفكار يصبح الإنسان مراقباً لألفاظه وكلماته، ومن المعاني الروحية والنفسية للصيام أن الأنانية الشخصية أو الذاتية تنتفي ويشعر الإنسان مع الآخرين ويتعاطف معهم ويعطف على الفقير والمحتاج ويظهر حب المساعدة».

ويلفت التميمي إلى أن :«هذه الفوائد جميعها تنعكس على الفرد وسلوكه فيراقب نفسه لأن قدسية الصيام تجعله يضع لنفسه نوعاً من الرقابة الذاتية والإلهية، ولا ننسى أن الله عز وجل قال :«(كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وانا أجزي به) وهذا دليل على المعاني العميقة والروحية والنفسية للصيام في تهذيب شخصية الإنسان وأخلاقه ومساعدته في تنقية أفكاره وعدم التلفظ بالألفاظ السيئة وإنتقاء كلماته وعباراته في التواصل مع الآخرين».

ويشير التميمي إلى أن:«هذا لا ينفي أننا نلحظ أحياناً استثناءات سلوكية لدى البعض بسبب الجوع وعدم اشباع الحاجات فتؤثر على الإنفعالات لديهم كالعصبية والغضب، فبالتالي إذا استشعر الإنسان المعنى الحقيقي للصيام سيجد فوائد جمة تنعكس على سلوكه وأفكاره وانفعالاته وعلى بناء قيم جديدة مثل الصبر والإرادة والتحكم بالشهوات والترفع عن الكلام البذيء».