منذ أن تفكك الاتحاد السوفيتي وانهار سور برلين في عام 1989 أصبح العالم محكوم الى احادية قطبية بفعل انتهاء القطب الآخر وتربعت الولايات المتحدة بفعل ذلك على سدة العالم وبات يحكم العالم نظاما اقتصاديا واحدا اعاد احياء منظمة التجارة العالمية كبديل عن الاتفاقية العامة للتجارة التي تعثرت بفعل الحرب الباردة آنذاك بين القطبين، والواقع ان العالم قد تغير خلال العقود الثلاثة الأخيرة فمن الناحية الإقتصادية فقد استطاعت الصين ان تحقق انجازات اقتصادية غير مسبوقة وان تشكل مع مجموعة دول البريكس ومنظمة شنغهاي ارضية جيدة للشروع في ارساء قواعد نظام اقتصادي دولي جديد يوازي النظام الحالي وبسحب الاضواء من التعاملات الدولية التجارية للدولار وبالتالي اصبحت القدرات الاقتصادية الصينية اضافة الى قدرات كل من الهند وروسيا والبرازيل وجنوب افريقيا قادرة على ان تشكل نواة حقيقية لتوجه اقتصادي عالمي جديد يخلق خطا اقتصاديا دوليا موازيا لخط النظام الاقتصادي القائم، ولم يتوقف الحال هنا بل ان انفراد الولايات المتحدة بسدة القرار في العالم جعل من الشرعية الدولية مثبتة في مجلس الامن اداة طيعة في يدها بحيث باتت رغبة الولايات المتحدة في حد ذاتها تشكل انصياعا لاخذ القرار الدولي وقد تجلل ذلك اكثر ما تجلى في موضوع ليبيا.

اذا تمكنت الاحادية القطبية من ان تستحوذ على القرار الاقتصادي الدولي وكذلك على القرار العسكري الدولي واصبحت الشرعية الدولية مسخرة لخدمة القرار الاقتصادي والعسكري للاحادية القطبية، غير ان تفاقم النجاحات الاقتصادية لدول البريكس ورغبة روسيا الجامحة في ان تشب عن الطوق لتكون في موقع الدولة العظمى وتكون شريكا حقيقيا في القرار العسكري ادى الى ان تواجه الاحادية عاصفة من الفيتو الروسي والصيني افقدها توازنها وادى الى انتزاع قدرة الهيمنة على الشرعية الدولية كما ان التدخل العسكري المباشر لروسيا في سوريا وانتزاع اوكرانيا ادى الى انتزاع تفرد القرار العسكري الاميركي في مقدرات العالم ثم ان مشكلة فنزويلا الاخيرة وتدخل روسيا عسكريا وفشل الانقلاب اضاف بعدا جديدا واصرارا اكيدا بتشاركية القرار الامني على مستوى العالم.

من هنا نقول ان احلال نظام اقتصادي جديد بدل القائم أو خلف نظام مواز له ليس بالامر السهل غير ان كل المؤشرات تدل على ان الخطوة الاولى لرحلة الألف ميل قد بدأت وأن التطورات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية وكذلك الثقافية والاجتماعية على مستوى العالم تأخذ مساراً تتراكم قدراته وان كانت تدريجية لبلوغ مرحلة يكون العالم معها قادرا على فرض اما نظام اقتصادي مواز او خلق نظام اقتصادي جديد وان كافة التطورات العسكرية تشير ايضا ان وهج التفرد العسكري الاميركي بدأ بالأفول وان سمة المشاركة وعدم التفرد هي الحتمية التاريخية القادمة.

رئيس غرفة التجارة الدولية