كتب - جعفر العقيلي

في نصّه «قناع المحارب» الذي نشره على صفحته في موقع «فيس بوك» قبل يومَين، لا يبدو أمجد ناصر، الشاعر الأردني المغترب في لندن، راغباً في ارتداء قناعٍ وهو ينازل خصمه خصمٌ لا يستكين ولكنّ شاعراً في مواجهته.. وهو شاعرٌ لا يرفع رايةً بيضاء، كما يشي العنوان الفرعي الذي يستهلّ به أمجد نصّه، لكنه يكتب ذلك ليعلي من قيمة الحياة، ليحتفي بها.. يكتبه ليرتّب أوراقه، لا ليضع نقطةً آخر السطر، وإنما ليقول إنّ كثيراً من السطور ما زالت تنتظر حرفَه لهفى.

يروي أمجد، بسردٍ متمكّن، حواره مع الطبيب، بعد أن أنبأه بفشل العلاج المزدوج الكيماوي والإشعاعي في احتواء الورم الدماغي. يدعوه الطبيب أن يرتب أوضاعه ويكتب وصيته! فلا يفكّر المبدع تلكَ اللحظةَ قاسيةَ الوطء، إلّا بما لديه من مشاريع كتابية يعمل عليها، ويسأل: «أريد أن أعرف الوقت!»، فيحدّد له الطبيبب وقتاً قصيراً قبل أن يضيف: «هذا ليس حساباً رياضياً أو رياضيات. فلا تتوقّف عنده». يكتب أمجد ذلك ببرودة أعصاب. كأنما الأمر لا يعنيه.

هي وقائعُ نِزال معلَن إذن! ورم في المنطقة اليمنى من الدماغ. «وردة متوحشة» كما يدعوها أمجد.. «شكل هندسي نابض».. «كُتلة». وفي تلك اللحظة تخطر في بال الشاعر القصيدة التي أسماها: «قصيدة الكتلة».

هوذا أمجد، الفتى البدوي الطالع من صحراء المفرق وغدرانها الجافّة، مُنَحّياً اسمه العائلي «يحيى النعيمي»، ومتخذاً اسماً سيجوب أنحاء الدنيا على أغلفة كتبه التي تُرجمت إلى أكثر من لغة، وسيصبح لصيقاً به، قبل أن ينتبه الشاعر أخيراً ويطرح السؤال في لحظةِ اشتباكٍ بين ماضٍ سحيق وراهن معاش: «من أنا؟ لا أعرف سوى هذا الجسد المتعثر بأسمائه (...) الذين سمّوني ماتوا. تركوا لي هذا الاسم يتضخم في الدوائر والمعاملات، ويتكفل بمصيره».

يواصل المبدع الذي أعطى للقصيدة أكثر مما أعطته الحياة، تأمّلاته لفضّ الاشتباك بين الاسم والجسد، وكذلك بين «يحيى» و«أمجد»: «مَن يحمل عبء الآخر: الاسم أم الجسد؟ هذه المرة عرفت أن الاسم سيّد التخلّي، ماذا يبقى من الاسم؟ جرح الولادة، ندبة الموت، لا شيء، تحت الاسم اسم، اكشطه سترى الترسبات الألفية للجفاف الذي استمر طويلاً هنا، أسئلتي كانت أسهل عندما كان اسمي يمشي جانبي كرفيق غير مرغوب فيه، مَن منا المصاب بالورم، ويرزح تحت الكتلة؟ جسدي أم اسمي؟».

في نَصّ بَوْحِه العالي، يكتب أمجد ناصر سرده وكأنما عن سواه، بتأنٍّ وحيادية وزهدٍ في المشاعر لصالح التفكُّر ومعاينة الحالة، يستعيد التفاصيل، ويرتّبها على شريط الزمن، تتوالى المحطات، يمرّ قطار الوقت، تحضر العائلة، تتعاقب صور الأصدقاء، يلحّ سؤال الجدوى، الكينونة، وفي لجّة ذلك، يحاور أمجد أسلافه ممن تركوا أثراً فيه، وأثْروا وجدانه ومخزونه المعرفي.

وفي هذا النصّ الذي تداولته عشرات المواقع وتناقله الأصدقاء على صفحاتهم، يكتب أمجد لا ليستجدي، أو يُظهر ضعفاً، بل ليحكي.. يتأمل المشهد من شرفةٍ عالية؛ يتلبّس «يحيى» ليراقب «أمجد»، أو العكس، وبهذا تكون ثمة مسافة «معقولة» للكتابة بتجرُّد!.

يتابع أمجد في سرده: «أرقب أطرافي، يدي تتضخم، قدمي تصبح جذع شجرة، لم تكن هذه يدي ولا هذه قدمي، آخرون جاءوا بسلالم قصيرة وسكنوني، يجتاحني الخارق، جسدي يدعوه في غفلة مني، أفكر أني إن نفضتُ رأسي ستتفتت الكتلة وتتطاير شظايا».

وبينما هو تحت هاجس «الكتلة» التي أرهقت دماغه، يتساءل إن كانت كلماته قد استدعتها حقاً، ويتذكّر قصيدته «حديث عادي عن السرطان»، فيتساءل من جديد إن كان الشعراء قادرين على التنبؤ بمصائرهم!

ولا يجد أمجد ناصر بدّاً من لملمة نفسه ليخاطبَ ما هو ماثل أمامه:

«إن كان لك دَين عندي

أو مشكلة شخصية، كأن أكون خَطفتُ هيلين الشقراء من حضنك

ومرّغتُ شرفَكَ في الوحل

-مع أني لا أذكر شيئاً كهذا-

لا تستردّ دَينك من الذين يمرون في هذه الدنيا

كما تمر أنفاس الرعاة في قصب الناي».

في هذه النبرة، كثيرٌ من الرغبة في تصفية الحساب، من دون ضغينة، ذاك يقف عند الناصية، يحاول التواري، أما أمجد فيفعل ما نتوقّعه من فارسٍ مثله: يقف في وسط الشارع، بوضوح الشمس، ويقول: «هذا أنا»، حاملاً في يدٍ قلماً من دمٍ وأوراقاً بأجنحة، وفي اليد الأخرى يوميات وذكريات أثّثت تفاصيل حياته، وجعلته ما يبدو عليه الآن، شاعراً وسارداً كتب الحنين مبكراً.. حنينه إلى لحظةٍ هي نفسها على مفترق.. لحظة هشّة.. لحظة انتقال وترحال وشتات.. وعندها لا يجد الحنين شيئاً كثيراً أمامه، لا يجد سوى نظرة عجلى قبل أن يجدَّ في الرحيل.