أبواب - وليد سليمان



يجلس عند مدخل محله لصنع القطايف الرمضانية في منطقة العبدلي.. ينظم طابور الزبائن.. يُلقي التعليمات الى أبنائه الكبار الذين يصبون ويخبزون حبات القطايف على الصاج التقليدي - لأنه لم يقتنع بالآلات الحديثة التي تصب عدداً كبيراً دفعة واحدة وذلك بعد ان تعبت يداه من عملية صب القطايف لمدة قاربت 50 عاماً!!.

«القطايف حياتي»

«القطايف حياتي.. فقد عشت معها سنين عمري منذ كنت طفلاً في العاشرة».. هكذا يصف عرفات القدسي ابوخالد مسيرة حياته مع القطايف التي بدأها في أوائل الخمسينيات بعمان.

يقول القدسي لـ أبواب (الرأي):

إن صُنع القطايف في رمضان مهنة لازمت عائلتنا - أباً عن جد - فوالدي كان له محل قطايف في أربعينيات القرن الماضي عند باب السلسلة في مدينة القدس الشهيرة بصنع القطايف.

في مقهى البرازيل

ومع بداية الخمسينيات انتقلنا الى عمان, حيث كان والدي في البداية قد استأجر مقهى البرازيل نهاراً في شهر رمضان، وموقعه كان بجانب البنك العربي دخلة طبلت بشارع الملك فيصل وسط البلد. ليصنع حبات القطايف الشهيرة على سطح فرنٍ من الحطب.

لكنه بعد ذلك انتقل الى محلٍ صغير في شارع الملك الحسين بعد وزارة المالية قرب طلوع اللويبدة, لصنع الحلويات العربية الشعبية ومنها القطايف في رمضان, وصرت أساعد والدي وأنا فتىً صغير السن, حتى تركت الدراسة في مدرسة رغدان وأنا في الصف الخامس الابتدائي, كي ألتحق رسمياً بالعمل في محل والدي للحلويات.

في المعرض الدولي 1957

وفي معرض دمشق الدولي الرابع سنة 1957 اشتركت مع والدي بالجناح الاردني بعملية صنع الكنافة في المعرض, حيث كنا نصنع كل يومٍ حوالي 90 سدراً من الكنافة للزوار المعرض.

وفي هذا المعرض الدولي الرابع صدف أن كان الفنان الكوميدي اسماعيل ياسين يمثل فيلماً تتضمن بعض أحداثه السفر الى دمشق وقد شاهدناه هناك في المعرض كما آلاف الزوار آنذاك.

فاكهة الليل الرمضاني

وهذه القطايف الرمضانية هي حلوى شعبية عربية شهيرة جداً منذ مئات السنين في كل بلاد الشام ومصر..لذلك فان ليالي رمضان لا تكتمل بهجتها إلا بوجود هذه الحلوى اللذيذة.

في عمان تنتشر عشرات المحلات الخاصة بصنع القطايف الرمضانية, التي يشتريها الناس كأقراص ناضجة, ليتم تجهيزها في البيوت كل حسب رغبته؛ بحشوها بالجوز أواللوز أوالفستق أوالزبيب أوالقشطة أو الجبنة البيضاء أو العجوة...الخ, مع اضافة القطر لها في المرحلة الاخيرة قبل تقديمها ليلاً لمن صاموا نهاراً.

ويشير ابو خالد كذلك الى: ان عملية صنع القطايف ليست سهلة!! فهي تحتاج الى خبرة طويلة ودقة في العمل.. والى وقت وتعب وصبر, حتى تخرج حبات القطايف طيبة وشهية.. كذلك نوع الطحين الذي أختاره فهو من النوع الممتاز والغالي الثمن من الامارات العربية.

أما عن انوع أو اشكال أقراص القطايف التي يصنعها عرفات وأولاده فهي مثلاً: العصافيري الصغيرة جداً والتي تحشى عادة بالقشطة, ثم اللبناني وهي أقراص يكون حجمها كصحن فنجان القهوة, ثم حبات القطايف الخليلية وهي كبيرة الحجم, ثم الحبة العادية المتعارف عليها, ثم الحبة الكبيرة جداً والتي تسمى قرصاً على قرص؛ حيث توضع منها حبتان كبيرتان في طبق كبير مثل سدر المنسف, ويكون ما بينهما عادة جبنة بيضاء حلوة, واكثر من يفضل هذا النوع العديد من أهالي السلط والأغوار.

عادات أكل القطايف

ويسرد علينا الحلواني عرفات بعد ان سألناه عن عادات وأمزجة بعض زبائن القطايف قائلاً:

هناك من يشتري القطايف كل يوم في رمضان لحبه الشديد لها, ولأفراد أسرته.. وهناك من يشكو لي بسعادة من ان أولاده يأكلون نصف القطايف نيئة قبل تجهيزها في البيت بعد الافطار, وهناك من يؤكد انه لا يأكل القطايف الا في وقت السحور.

وعن حادثة لطيفة حصلت معه يقول: ذات رمضان جاء أحد الزبائن المعروفين من مأدبا الى منزلي ليلاً في عمان, وكان يلح عليَّ بشدة لأدبر له بعض القطايف!! لأن لديه ضيوفاً وقد وعدهم بأكل القطايف.. لكنه نسي شراءها من محلي نهاراً.. فما كان مني الا ان قدمت له سدر قطايف جاهزة كنت قد أعددتها لأهل بيتي.. فشكرني الرجل جداً ولم أقبل ان يدفع ثمنها.. وسُرت زوجته التي كانت معه ودعت لي بأدعية لطيفة.

وهناك بعض الزبائن من يأتي لشراء القطايف ومعه أولاده الصغار حيث يقول لهم: وأنا ولد صغير كنت آتي لهذا المحل اشتري القطايف لأهلي في شهر رمضان.

ومن المعروف ان القدسي قد اشتهر أيضاً بصنعه الحلوى الشعبية (التمرية) الطازجة, وكذلك العوامة والهريسة والحلبة والقزحة وأصابع زينب ودحدح والوربات.

المشاهير وحلوى القدسي!

وفي رمضان الماضي 2018 تشرف القدسي بزيارة سمو الأميرة بسمة بنت طلال الى محله لشراء القطايف, حيث قالت له سموها: أنت جزء مهم من تاريخ عمان يا ابو خالد! فمحلك هذا عريق منذ 65 عاماً.

وفي داخل محل القدسي يشاهد الزائر هناك على الجدران لوحات وصوراً معلقة مثل: صورة كبيرة لجلالة المرحوم الملك الحسين بن طلال, حيث كتب جلالته بخط يده في زاوية الصورة العبارة التالية: «الى الأخ السيد عرفات احمد القدسي مع التقدير مع أطيب تمنياتي».. مع توقيع جلالته والتاريخ هو 22/3/1985.

وحول هذا الأمر حدثنا القدسي بقوله: ذات مرة تذوق السياسي عدنان ابو عودة تمرية القدسي, وتحدث عنها لجلالته!! فأرسل جلالته أحد المسؤولين ليسأل عن مكوناتها وتذوق طعمها.. فأعجبته.. فأوصى بِ (دزينة) منها لجلالته.. ولم أقبل دفع الثمن بل طلبت صورة لجلالته مع توقيعه عليها, وهذا ما حصل.

وفي لوحة أخرى باللغة الانجليزية في محل القدسي نقرأ أنها: شهادة تقدير من فندق الاردن انتركونتننتال, حيث هي شهادة عالمية متعارف عليها في كل من أميركا والمانيا وبريطانيا.. وذلك بسبب ان الحلواني عرفات قام قديماً بعمل حلوى التمرية في هذا الفندق امام وفد ألماني كبير, حيث اعجبوا جداً بهذه الحلوى الاردنية اللذيذة.

عن أيام زمان

وعن أيام زمان يقول القدسي:

من زملاء صفي في مدرسة رغدان كان الاعلامي الشهير رافع شاهين, الذي ظل صديقاً وزبوناً يشتري القطايف من محلي.. حتى عمل معي لقاءً في التلفزيون الاردني قديماً.

ومن معارفي وزبائني أيضاً المذيعة كوثر النشاشيبي التي أجرت معي لقاءً في الاذاعة الاردنية.

ومن مشاهيرالسياسة والصحافة والرياضة والاقتصاد الذين تعامل معهم القدسي وتذوقوا قطائفه يذكر:

دولة مضر بدران, وكبار رجال الدولة والأمن والجيش, والصحافية محاسن الامام, والرياضي ابو العوض, ورجل الاعمال صبحي جبري, والشيخان نوفان العدوان وأحمد سعود العدوان.

والعديد من الشخصيات الأخرى.