أبواب - زياد عساف

«على اّخر الزمن أغني ألحاناً راقصة لبليغ!»، شحنة من الغضب والتوتر رافقت هذا التصريح لإمام المداحين سيد النقشبندي تعبيرا عن رفضه لفكرة الغناء من ألحان بليغ حمدي، إذ كيف يجتمع ملحن «سيرة الحب» و«تخونوه» في عمل واحد مع رائد الإبتهالات والإنشاد الديني، ولكن شتان مابين الأماني والواقع، فهذا التعاون المقترح بإنجاز مجموعة من الأعمال الغنائية الدينية بينهما جاء برغبة شخصية من السادات رئيس مصر وقتها وتعتبر قرارا ملزما ضمنيا ليس من السهل تجاوزه بأي حال!.

«مولاي إني ببابك..»

للخروج من هذا المأزق اقترح الإعلامي وجدي الحكيم على النقشبندي الجلوس داخل استوديو الإذاعة للإستماع للأغنية من الملحن مباشرة، وان أعجبه اللحن كل ما عليه كإشارة منه أن يخلع العمامة كتعبير عن شعوره بالرضى عن الفكرة، وغير ذلك سيتصرف مع قصر الرئاسة لإخراجه من هذا المطب، ليفاجأ الحكيم وجدي وسبحان مغيِّر الأحوال بأن النقشبندي قد خلع العمامة والجبة والقفطان تعبيرا عن انبهاره بلحن أغنية بليغ(مولاي اني ببابك)، والتي تعتبر واحدة من علامات شهر رمضان منذ بداية السبعينيات وإلى الاّن حتى أصبحت مع أغانٍ دينية أخرى النغمة المفضلة للهاتف الجوال لدى نسبة كبيرة من الشباب في الوطن العربي، ما يفتح الشهية لدراسة هذه الظاهرة والإبحار في عالم الأغنية الدينية الذي عاد يفرض نفسه بقوة في السنوات الأخيرة.

«نورت يا رمضان..»

ما وراء هذه الحكاية يعكس حقيقة الجذور الراسخة للإنشاد والغناء الديني في المنطقة العربية، والتي بدأت مع هجرة الرسول عليه السلام، ولحظة وصوله ليلا للمدينه المنورة ليجد أهلها من رجال ونساء في استقباله ينشدون ترحيبا بقدومه «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع.. وجب الشكر علينا ما دعا لله داع».

من هنا كانت البداية لفن الإنشاد والمدائح والإبتهالات الدينية، وأخذ يزدهر في البلاد العربية والإسلامية بعد ذلك ولمئات السنين قبل أن يعرف ما يسمى ب (الأغنية الدينية)، والتي بدأت على يد كوكب الشرق أم كلثوم عندما تمردت على هذا القالب الغنائي الديني التقليدي وقدمت عام 1926 ومن ألحان محمد القصبجي أول أغنية دينية وهي (نورت يا رمضان) مع فرقة موسيقية لتكن البداية الأولى والمشجعة للسير في هذا المجال، تحمس الموسيقار رياض السنباطي لهذا التجديد ولحن أغنية (إمتى تعود يا نبي) وكانت من نصيب أحمد عبد القادر، وتبع السنباطي اّخرون من أهم الموسيقيين والمطربين في مصر، ثم سرت هذه العدوى الإيجابية بأن أصبحت الأغنية الدينية تقدم بقالب الطقطوقة والدور والمونولوج والقصيدة وعلى امتداد الوطن العربي.

«مناسبات..»

ارتبط هذا الفن بالمناسبات الدينية والتي إلى الاّن لا تجد من يعبر عنها سوى الأغاني القديمة ومع تجديد هذه المناسبات كل عام، وما زال تفاعل الناس مستمرا مع أغنيات منها ما قارب الثمانين عاماً محافظة على ألقها لغاية الاّن، مع بروز بعض الأغاني الدينية المبشرة بين فترة وأخرى، إلا أن نجاحها بقي محصورا ولفترة قصيرة من الوقت.

على مدار عقود خلت ظل شهر رمضان المحفز لإنجاز أجمل الأناشيد والموشحات والأدعية الخاصة بالشهر الفضيل، ما ساهم بإنتاج مئات الأغاني التي تواكب طقوس الشهر، منها المتعلقة برؤية الهلال واستقبال رمضان والتعبير عن مشاعر الفرح بقدومه، والتغني بأجواء الصيام وفضائله ولذيذ طعامه وشرابه والزينة التي تكحِّل أيامه، وتنتهي بأغاني (التواحيش) أو وداع خير الشهور.

بالإضافة للأغاني الرمضانية الشهيرة والمحفوظة غيبا وعن ظهر قلب، أنجز مجموعة من المطربين والموسيقيين أغاني تحفل بهذه المناسبة مثل: بشراك يا صايم لمحمد فوزي، صايم رمضان: محمد رشدي، سبحة رمضان: الثلاثي المرح، رمضام كريم: برلنتي حسن، الشهر الكريم: فايزة احمد، شهر الصيام: نجاة الصغيرة، باب الغفران: ليلى مراد، مأذنة جامعنا :شادية، سيد اسماعيل: شرفت يا رمضان وسعاد محمد: فرحة رمضان، ومن الأغاني الخاصة بليلة القدر، هلت ليالي حلوة وهنية: فريد الأطرش وليلة القدر: سيد النقشبندي، وعن وداع الشهر تبقى الأغنية الأشهر لشريفة فاضل: تم البدر بدري.

«ولد الهدى..»

الأغنية الدينية ظلت ولفترة طويلة القوة الناعمة والشفافة وأشبه بالمراّة العاكسة لسماحة وعدل الإسلام وفرائضة والغاية منها، ويتمثل ذلك في الأعمال التي تتغنى بفرائض الإسلام :الصلاة والصيام وأغانٍ تتعلق بفريضة الزكاة أيضا كما ورد بقصيدة (ولد الهدى) في مدح الرسول لأم كلثوم:

«أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى

فالكل في حق الحياة سواء

جاءت فوحَّدت الزكاة سبيله

حتى التقى الكرماء والبخلاء ».

وصاغها لحنا الموسيقار رياض السنباطي الذي خص كوكب الشرق بقصائد دينية أخرى مثل: نهج البردى وسلوا قلبي والثلاثية المقدسة وحديث الروح.

«يا رايحين للنبي الغالي..»

صور غنائية جميلة عن الحج أيضا لازال يرددها الناس الى الاّن كأغنية: عليك صلاة الله وسلامه لأسمهان ورغم مضي ثمانية عقود على مولدها، ويا رايحين للنبي الغالي لليلى مراد من فيلم (ليلى بنت الأغنياء) انتاج عام 1953، ووراء هذا اللحن حكاية ارتبطت بليلى مراد التي اعتنقت الإسلام أواسط الأربعينيات، وكان من المفروض ان تذهب لأداء فريضة الحج أثناء تصوير الفيلم إلا أن المخرج ألح عليها بتأجيل الفكرة لأسباب تتعلق بالتصوير والإنتاج، في المقابل اشترطت عليه تعديل السيناريو لتقديم أغنية بصوتها عن الحج عوضا عن ذلك كي تعيش هذه الأجواء وكان لها ما أرادت، وأوكلت مهمة كتابة الأغنية «لأبو السعود الأبياري» ولحنها السنباطي، وتم تعديل السيناريو لهذه الغاية بإضافة مشهد بالفيلم وهي تقف على الشباك مودعة والدها لحظة سفره لأداء فريضة الحج وهي تغني «يا رايحين للنبي الغالي.. هنيالكم وعقبالي».

الشاعر الغنائي بيرم التونسي وأثناء تأديته لفريضة الحج كتب من وحي الموقف أغنية (القلب يعشق كل جميل) واصفا جمال وروعة طقوس الحجيج، وغنتها أم كلثوم عام 1972 في السعودية أثناء تواجدها هناك لأداء الفريضة، وكم حركت هذه الأغنية مشاعر الكثيرين وحلمهم بالذهاب للديار المقدسة لجمال الصور الغنائية المؤثرة في وصف هذه الشعائر، والتي تغنى بها أيضا محمد عبد الوهاب: لبيك اللهم لبيك، ومحمد فوزي: لبيك أن الحمد لك وفدوى عبيد: لبيك ياربي.

«كتاتيب..»

تألق الأغنية الدينية كان له مقومات وأسباب كثيرة ساهمت بإنجاز الروائع من هذه الألحان، وفي مقدمتها حتما ما يرتبط في بداية العديد من المطربين ممن التحقوا للدراسة في (الكتاتيب)، وبإشراف شيوخ الكتَّاب بهدف أن يصبحوا مقرئين للقراّن ومنشدين وليس أكثر من ذلك، وبتعلم التجويد وقراءة القراّن اكتسبت أصواتهم قوة ومساحة كبيرة، بالإضافة لإلمامهم بقواعد اللغة العربية وسلامة النطق ومخارج الحروف، وبهذه الخبرة التي اكتسبوها قدموا روائع الأعمال الدينية والدنيوية خاصة أن أغلبهم تفرغ للأغاني العاطفية والدنيوية فيما بعد، وباستعراض هذه الأسماء نجد أنهم من الرواد الذين أبدعوا في هذا المجال مثل: عبد الرحيم المسلوب وسيد الصفتي وعبده الحامولي وسلامة حجازي وسيد درويش ودرويش الحريري وام كلثوم وسيد مكاوي.

تميز أغلب مؤلفي الأغاني الدينية بثقافة عالية وروح شفافة وكانت من العوامل المساهمة بازدهار هذا الفن، ويحسب للإذاعة المصرية ومنذ بداية تأسيسها عام 1934 بإيلائها اهتماما خاصا بالأغنية الدينية، وقامت بتسجيل أعمال عديدة بهذا الخصوص ولأشهر المغنين وقتها، مع التأكيد على المساهمة الفعالة للدراما السينمائية والتلفزيونية بعد ذلك بتوظيف أغان ذات طابع ديني وروحاني ضمن سيناريو العمل، ومنها وعلى الشاشة الكبيرة فيلم فجر الإسلام والشيماء أخت الرسول وفيلم رابعة العدوية 1963، وتضمن الأخير مجموعة أغنيات بصوت أم كلثوم، ومنها الرضا والنور وحانة الأقدار ولغيرك ما مددت يدا، أما على الشاشة الصغيرة فكانت هناك أعمال غنائية جميلة ضمن مسلسلات تلفزيونية مثل: على هامش السيرة ومحمد يا رسول الله.

«لأجل النبي..»

الأغنية الشعبية الدينية شكلت إضافة أخرى في هذا المجال، وتميز بها بعض المطربين وفي مقدمتهم مداح الرسول محمد الكحلاوي ومن أهم أغانيه: لاجل النبي وحب الرسول ولا زال الناس يستعيدونهما لغاية الاّن، وهذا ما ينطبق على مطربين أمثال: محمد قنديل وكارم محمود واسماعيل شبانة وحورية حسن، وباللهجة الشعبية البسيطة ومن ألحان الموجي سجل عبد الحليم مجموعة من الأدعية الدينة من كلمات عبد الفتاح مصطفى وهي: نفضت عنيا المنام، أنا من تراب، ادعوك يا سامع يا دعايا، رحمتك في النسيم، بيني وبين الناس، الحبة في الأرض، خليني كلمة، ورق الشجر، بين صحبة الورد ويا خالق الزهرة.

في البلاد العربية قدم العديد من المطربين والمطربات مساهمات متميزة في هذا المجال أمثال: محمد توفيق المنجد وحمزة شكور واديب الدايخ وصبري مدلل من سوريا، ومن المغرب فرقة جيل جلالة وعبد الهادي بلخياط، ومن الأردن مالك ماضي.

هذه الأعمال لم يأت للاّن ما يوازيها من النجاح وأغلب ما تم انتاجه صورة وتقليد لمن سبقهم من رواد الغناء الديني مع الإنصاف لبعض المساهمات الجيدة لفنانين أمثال ايهاب توفيق: اسماء الله الحسنى، وعمرو دياب: نور على نور، وماهر زين: رقت عيناي شوقا، ووائل جسار: قلبك حنيِّن يا نبي، ومؤخرا أغنية: قمر سيدنا النبي لمصطفى عاطف، وعلى الجانب الاّخر برزت محاولات لخوض غمار هذا الفن من بعض المطربين وكانت بأغلبها صورة باهتة عن الأصل ولم تلق النجاح لأن الهدف الكامن وراء ذلك مواكبة الموجة لتحقيق الشهرة والدافع المادي، أو لوجود قضايا تمس بعض المغنين على الجانب الأخلاقي والإجتماعي في حياتهم ما جعلهم غير مقنعين بأداء هذا اللون من الغناء.

«أغانٍ دينية مستترة..«

سحر خفي ومستتر يعكس الجانب الروحي والديني في بعض أغانٍ نظمها شعراء من أصحاب اللمسة الصوفية، تبدو للوهلة الأولى بأنها عاطفية وموجهة للحبيب، إلا أنها في واقع الأمر كتبت في حب الله والرسول، مثال حي على ذلك أغنية: أقولك إيه عن الشوق ياحبيبي، التي كتبها عبد الفتاح مصطفى لأم كلثوم، وعندما قرأتها لأول مرة وبحضور شاعرها عبرت عن سعادتها وموافقتها على غنائها في مداعبة لطيفة محذرة إياه: الظاهر انك عايش قصة حب جديدة.. والله لاقول لمراتك!، ورد عليها بهدوئه المعتاد: هذه الأغنية ليست في حب امرأة بل في حب الله سبحانه وتعالى!.

وهذا ماينطبق على الشاعر الغنائي احمد شفيق كامل الذي أقر أن أغنية انت عمري وامل حياتي اللتين غنتهما ام كلثوم من أشعاره كانتا في حب رسول الله عليه الصلاة والسلام.

«وصى النبي على سابع جار..»

الفطرة الدينية عند الشعراء والمغنين ساهمت بحضور الحس الديني والروحاني في الأغانٍ العاطفية والإنسانية بشكل عام وتعتبر إضافة غير مباشرة في مسيرة الأغنية الدينية، على سبيل المثال وكما وصى الإسلام على الجار، تم انجاز العديد من الأغنيات التي تتغنى بالجار مثل: وصى النبي على سابع جار لسعد عبد الوهاب، وعلى سابع جار النبي وصى لعبد الغني السيد، وعن التكافل الإجتماعي الذي حث عليه الإسلام، يحتفظ أرشيف الإذاعة المصرية بأغاني تتعلق بمبادرة (معونة الشتا) التي أُقِرَتْ بفترة الخمسينيات، وغايتها ان يتبرع الغني بالفائض من الملابس للفقير لتقيه من شدة البرد، وأغنية محمد قنديل (انا في الزعبوط) مثال على ذلك، وأغانٍ تدعو أيضا لزيارة المريض.

«ع التوتة والساقية..»

وأغان أخرى تحث على السعي للرزق مثل: الحلوة دي قامت تعجن بالفجرية لسيد درويش، وخليها على الله للموسيقار فريد الأطرش، وخليك مع الله لمحمد الكحلاوي.

وهذاما يعيد للذاكرة دعاء عبد الحليم (ع التوتة والساقية) في صورة غنائية جميلة عن حكمة الله في رزق العصفور المكفول له في الأرض:

«ع التوتة والساقية

المح كل يوم عصفور

فرحان يغني ويرقص للندى والنور

لا مال ولا جاه

و رزقه في الغيطان مبدور

ماله كفيل أو معين في الملك غير الله !».