الحساسية في عالم الطب أنواع اشهرها وأكثرها شيوعاً هي حساسية الانف في الربيع نتيجة التعرض لغبار الطلع ومن اعراضها نوبات العطس المتكرر والسيلان الشديد، وحساسية القصبات الهوائية المعروفة بالربو ومن اعراضها ضيق التنفس والسعال، أما الحساسيات الآخرى غير الصحية فهي مَجازية يثيرها التعرض لبعض القضايا السياسية أو التحدث في الشؤون الجنسية أو مناقشة العقائد الدينية وهذه وسواها مما يشابهها تختلف حدةً وخطراً من مجتمع لآخر ومن جيل لآخر، والغريب أنها قد تختلف في المجتمع الواحد حسب طريقة تناول مواضيعها أو الجهة التي تطرحها، ولا اريد أن اخوض هنا في تفاصيل هذه الحساسيات بل اترك للقارئ ان يقرر أياً منها يظن اكثر اهمية واجدر بالتفكير فيها أو بحثها ! ولنأخذ مثلا حساسية الممارسات الجنسية، فعندما تقرأ رواية صدرت في بلد غربي اواسط القرن الماضي تجد المؤلف يتوسع في وصفها دون حرج وذلك من خلال العلاقات الغرامية بين ابطالها بما لم يستطع اجرأ روائيي مصر في نفس تلك الحقبة من الزمان وهو احسان عبد القدوس ان يتجاوز القبلة الطويلة الساخنة ومع ذلك اتُّهم بالاباحية ! بينما غدا الروائيون العرب الآن على امتداد الوطن العربي «وبينهم روائيات» يقتحمون تلك العلاقات بلا وجل وآخر الامثلة رواية «جمهورية كأن» لعلاء الاسواني !

ولو قرأتَ ما يقال وينشر هذه الايام حول المواضيع الدينية في وسائل الاعلام العربي وبضمنها المواقع الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي عبر الانترنت لدهشتَ من التطرق بلا مواربة للكثير مما كان يدعى بالتابوهات الحساسة بقدسيتها التي لا يحق لاحد ان يمسها ولو بالنقاش الجاد الرصين، وتختلف الجرأة في خوض هذه المواضيع من فضائيات دولة الى فضائيات دولة أخرى وقد تتعارض فيما بينها لا حسب ثقافة تلك الدول بل حسب نظام الحكم فيها ومدى اقترابه من الدين أو بعده عنه او على الأصح مدى اعتماده عليه واستغلاله بما يحفظ بقاءه اي بقاء النظام..

ولعل اكثر الحساسيات حساسيةً «!» هي ما تثيره المعارضة السياسية من نقد يقود احيانا الى اوخم العواقب إذا كان النظام ديكتاتوريا عسكرياً أو فرديا او شموليا او فاشياً او مغرقاً في الرجعية يتشدد في كبت الحريات وعلى رأسها حرية التعبير مستخدماً سلاح ما يسمى قوانين المطبوعات والنشر التي يتم تعديلها بين حين وآخر لتصبح اكثر التفافاً حول الاعناق وقادرة على الخنق حتى بحبال ناعمة! والأنكى ان تضيق صدور القائمين على هذه القوانين (تماما كما تضيق صدور المصابين بحساسية الربو) وتجعلهم متوترين عصبيي المزاج يفسّرون تلك القوانين على هواهم في «أضيق» معانيها كي تُنزل بالمخالفين أفدح العقوبات.. ولقد كشفتْ ثورات الربيع العربي منذ عام 2011 وصولاً آخر المطاف لثورتي الجزائر والسودان عن العجب العجاب من بشاعة هذه العقوبات التي تجاوزت المنع والقمع والبطش والتنكيل الى جرائم الابادة احيانا ولم تكن قط لمصلحة الوطن كما كان يدّعي الطغاة تبريراً لارتكابها او كما كان يروّج لذلك اعلامهم..

وبعد.. تُرى هل أثرتُ مزيداً من الحساسية في مناقشة هذه الشأن الحساس؟!