تفيد التقارير الصحفية، وتطالعنا الأخبار بين الفينة والأخرى، أن بعض الجهات في العالم العربي تظن أن الانفتاح على إسرائيل سيشجعها على اتخاذ خطوات إيجابية بخصوص عملية السلام المعطلة من سنوات طويلة-معطلة عن قصد وسبق إصرار بالطبع من قبل إسرائيل ذاتها.

فكرة الانفتاح هذه هي افتراض ساذج أولاً، وخاطئ ثانياً، وخطير ثالثاً.

فلقد جُرّبت الفكرة سابقاً وفشلت فشلاً ذريعاً، لا بل إنها أفضت إلى نتائج كارثية بالنسبة للقضية الفلسطينية وانعكاساتها على دول الجوار والإقليم.

لقد جرّبها الفلسطينيون وجربتها عدة دول عربية، فماذا كانت النتيجة؟

عكس المفترض تماماً. فكلماً انفتح العرب على إسرائيل ووثقوا بها، كلمّا ازدادت مكراً وخداعاً وتعنتاً وانقلاباً عليهم،

لنأخذ أوسلو مثالاً.

عندما قررت منظمة التحرير التفاوض المباشر مع إسرائيل سرّاً، والذي أفضى إلى توقيع معاهدة أوسلو المشؤومة عام 1993، بُني القرار على مبدأ أنّ انفتاح المنظمة على إسرائيل سيشعر إسرائيل بالطمأنينة وسيشجعها على الانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967 والاعتراف بدولة فلسطين، والعيش بسلام ووئام مع الفلسطينيين ومع العرب.

ما هي النتيجة اليوم-نتيجة فلسفة انفتاح المنظمة على إسرائيل ونتيجة اتفاقية أوسلو؟

لا انسحاب من الأراضي الفلسطينية، ولا دولة، ولا سلام ووئام، ولا احترام أو تقدير لقادة المنظمة الذين أصبحوا «سلطة» فيما بعد.

لا بل إن إسرائيل ترفض حلّ الدولتين علناً وتبتلع الأراضي التي أعادتها شكلاً، شبراً شبراً.

إذاً إسرائيل تستغل موضوع «الانفتاح»، مثلما استغلت موضوع التفاوض والمحادثات من أجل كسب الوقت لتمرير مخططاتها الاستعمارية التوسعية، القائمة على ابتلاع الأرض والتضييق على الفلسطينيين بهدف تهجيرهم.

أما «انفتاحها» على العرب، أو «انفتاح» العرب عليها، فهو أمر لا يقل سذاجة وخطأً وخطورة عن «انفتاحها» على المنظمة أو «انفتاح» المنظمة عليها، الذي نشهد عواقبه الآن.

فإسرائيل تستغل موضوع «الانفتاح» على العرب، من ناحية، من أجل كسب مزيد من الوقت لابتلاع مزيد من الأراضي الفلسطينية وتصفية القضية برمّتها.

ومن ناحية أخرى من أجل فرض هيمنتها، بطرقها الشيطانية، على الدول التي «تنفتح» عليها واستغلالها لتصفية حساباتها مع دول تراها خطراً عليها، ومن أجل إحداث مزيد من التفرقة والتمزق في الجسم العربي.

أما المزعج حقاً في موضوع «انفتاح» العرب عليها فيتمثل في أن هذا الانفتاح يعطي إسرائيل-مجّاناً ودون مقابل-نافذة أو مخرجاً من مأزق أوقعت نفسها فيه بسبب عنصريتها وعقليتها الإقصائية وعدم ثقتها بأحد.

الذي يمكن أن «يشجع» إسرائيل على أخذ السلام على محمل الجد، لا بل يجبرها على ذلك، هو ليس الانفتاح عليها، بل صد الأبواب في وجهها وإبقائها تعيش في العزلة التي فرضتها على نفسها، وهذا أكثر ما يؤلمها، كما أكد العديد من المفكرين اليهود والإسرائيليين العارفين بالأمر، من أمثال تشومسكي وأفي شلايم وألان بابي، وغيرهم.