اعداد- محمد الزبن

واحة العلماء

أمين عام دائرة الإفتاء الأردنية

د. أحمد الحسنات

نال سماحة الدكتور احمد الحسنات حظاً وافراً من العلم بتوفيق الله تعالى ثم بالجهد المتواصل الذي بذله ويبذله ملتمساً في ذلك الأجر من الله تعالى في تقديم العلم والفتوى وما هو مفيد دعويا واعلامياً. وهو من أهل العلم المعتبرين، وله باع في الفتوى، فكان «للرأي » معه هذا اللقاء:

ما مدى حاجتنا للفتوى في هذا الزمان لرفع الإشكالات والخلافات العديدة؟.

الفتوى بيان حكم الله في حادثة من الحوادث، ولا بد منها لبيان الحكم الشرعي، فينبغي على كل مسلم قبل الإقدام على العمل أو انتهاج فكر ما، أن يسأل ويتفقه لقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وهذا السؤال من الخير، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يفقهه بالدين) كما أننا بحاجة لسؤال العلماء وذلك يزيل كثيرا من الإشكالات والاضطرابات في الفتاوى المعاصرة أو في فهم الفتاوى الواضحة.

ما توجيهاتكم للناس الذين يرتبطون ارتباطا وثيقا بالتقينات وخصوصا جيل الشباب،ويطلبون الفتوى بواسطة هذه التقينات؟.

الشباب في الحقيقة هم عماد الأمة وكنز البلاد وبهم تعمر الأوطان وتحمى الحرمات، والنبي صلى الله عليه وسلم كان جل من آمن به ونصروه وأيدوه من فئة الشباب، ومن هنا ينبغي تنبيه الشباب أنه يقع على عاتقهم مسؤولية عظيمة في حمل الدين ورعاية أمتهم وأوطانهم.

وبخصوص أخذ الفتوى ينبغي أن يكونوا على حذر بالغ من التقنيات التي تحمل الخير وما يوازيه أو يزيد عنه من الشر والتنبه إلى سريان الأخبار بطرق سريعة قد توقعهم في حبائل الشيطان والأفكار الضالة.

ما توجيهاتكم لطلاب العلم في خضم ما نعيشه من تدفق هائل للمعلومات؟

للعلم الصحيح أدواته الصحيحة والأسلوب السليم يكون في تلقي المعلومة مشافهة من أهل العلم ومدارستها مع العلماء ويكون ضبط العلم على أصول أهل السنة ومذاهبهم المعتمدة وهي مذاهب أربعة معروفة. وبالمقابل لا يكون استقاء المعلومة الشرعية من مواقع إعلامية غير موثوقة وقد تكون مسيسة او ذات توجه فكري معين.

للصدقات في رمضان أثر بالغ في التماسك المجتمعي والترابط الديني.. فما تعليقكم على انتشار المبادرات الإنسانية في الأردن والسقيا والتفطير على الإشارات الضوئية وغير ذلك من مظاهر الإيمان وتقديم الخير؟.

شهر رمضان شهر خير وبركة على عموم المسلمين وفيه تضاعف الحسنات، وشهر رمضان حقيقة نجد الناس فيه يتآلفون ويتكاتفون ويكثر فيه إخراج الزكاة والصدقات وإطعام الفقراء والمساكين، ولذلك نرى المبادرات الطيبة في هذا البلد الطيب المبارك في كثير من أحياء بلدنا.

نشاهد الكثير من الخيم الرمضانية التي يكون فيها إطعام للفقراء والمساكين والمعوزين وعابري السبيل وهذه من المبادرات الطيبة التي نشكر القائمين عليها ونحثهم على المزيد منها. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منهم هذه الصدقات.

ما تعليقكم على الخلاف المتكرر على عدد الركعات في التراويح؟.

بالنسبة لعدد ركعات صلاة التراويح نقول:

الأصل في شهر رمضان أن يتفق المسلمون فيما بينهم ولا ينبغي إثارة الخلافات والنزاعات في المسائل الفقهية وخاصة التي الخلاف فيها لايجدي نفعا وإنما هي من باب التطوع. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى التراويح عدة أيام ثم تركها مخافة أن تفرض على المسلمين وحينما جاء سيدنا عمر بن الخطاب جمع المسلمين على عشرين ركعة أمام عدد كبير من الصحابة فكان ذلك إجماعا على مشروعية هذه الصلاة.

ونحن نقول حقيقة أن الأصل في صلاة التراويح أنها تصلى عشرين ركعة وهذا من زمن عمر بن الخطاب ومما تتابعت عليه الأمة جيلا بعد جيل وهذا ما تبنته المذاهب الفقهيه السنية الأربعة. وصلاة التراويح ليست واجبة ولكن وحدة المسلمين أمر واجب. فمن لم يصلّ التراويح سواء ثمانية أو عشرين فله أجر ما صلى. وأما إثارة النزاعات والخلاف بين المسلمين في المساجد وفي غيرها فهذا من أسباب الفرقة والتناحر ومنهي عنه ويوقع في الإثم. فلا يجوز لأحد أن ينكر على أحد فمن أراد أن يصلي عشرين فبها ونعمت، وهذا ما عليه جمهور علماء المسلمين.

قراءة في حياة الصائمين

التأمل بالذي هو خير

قرر علماء العربية أنّ التأمل في أصله مأخوذ من مادة: (أم ل)، وتدل على التثبت والانتظار. والتفكر مأخوذ من مادة: (ف ك ر) وتدل على تردد القلب في الشيء، أما التدبر فمأخوذ من مادة: (د ب ر) والتي يقصد بها النظر في عواقب الأمور. ومن هنا يمكننا القول: إنّ التأمل في حياة الصائمين أمر يأتي تلقائيا مع ما يطرأ على حياة الفرد والمجتمع بل وعموم الأمة، فهذا الصيام الذي فرضه اللهُ على الأمة، فيتجدد الإيمان مع كلّ يوم من أيام الصيام وتزداد معرفته بربه بطاعة التدبر والتأمل في آيات الله الكونية وما يتلوه من آي الذكر الحكيم فليس شيء أنفع للعبد ويقرب إلى النجاة من تدبر القرآن، والتفكر بمعاني آياته.

وفي التأمل يقول ابن القيم: (أما التأمل في القرآن فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه. وجمع الفكر على تدبره وتعقله. وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر، قال الله تعالى: «كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ» (ص: 29). ويقول الغزاليّ في كتابه احياء علوم الدين: (فقراءة آية بتفكر وفهم خير من ختمة بغير تدبر وفهم فليتوقف في التأمل فيها ولو ليلة واحدة فإن تحت كل كلمة منها أسرارا لا تنحصر ولا يوقف عليها إلا بدقيق الفكر عن صفاء القلب بعد صدق المعاملة). ونعطي مثالا: هناك أمر استفاض بين الناس وهو: ضرورة السرّ في الصدقة، مع أن الله تعالى امتدح العلانية أيضا قال: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» (البقرة:274). فمن تأمل وجد أن العلانية تنشر الصدقات وتنتفع بذلك الأمة.

ابتهالات رمضانية

بسم اللَّهِ تَوَكَّلْنا على اللَّهِ، اللَّهُمَّ إنّا نعُوذُ بِكَ أنْ نضِلَّ أَوْ نُضَلَّ، أوْ نَزِلَّ،أَوْ نُزَلَّ، أَوْ نظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ، أوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ علينا. اللَّهُمَّ إنا نعوذُ بِكَ منك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، أهلَ الثناء والمجد، اعفُ عنا واغفر لنا ذنوبنا واستر عنا عيوبنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وشمائلنا إنك خير حافظا وأنت أرحم الراحمين.

رمضان في مرآة الزمان

الشهر المعظّم

رمضان شهر اللهِ المعظم، فيه أنزل القرآن العظيم، وهو يأتي على مرّ السنين فرضًا لازمًا على الأمة صيامه وعلى السعداء نافلة قيامه، وفيه كانت بداية النفحات والرحمات للأمم فمن تعرّض للنفحات الربانية فقد ارتقى سلّم السعداء.

ومع أن القرآن نزل في شهر رمضان إلا أنّ الصيام جاء فريضة صيامه متأخرة عن زمن النزول بقرابة أربعة عشر عاما، فكان مبتدأ الأمر بالصيام بداية الهجرة النبوية الشريفة بصيام يوم عاشوراء، ذلك أن أهل المدينة لم يكونوا قد عهدوا على أنفسهم الصوم، فكان عليهم ثقيلا، فناسب صيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وقوله: «فنحن أحق وأولى بموسى منكم» (صحيح مسلم1130). وقد كان يوما معظما عند اليهود، وكانت قريش تصومه.

وقد روى البخاري في كتابه التاريخ الكبير:«أن الأشعث بن قيس دخل على عبدالله بن مسعود يوم عاشوراء، وهو يَطعَم فقال: هلمّ فكلْ، فقال الأشعث: أمَا علمت أنّ اليومَ يوم عاشوراء؟ قال: بلى؛ ولكنّ عاشوراء صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بصيامه، فلما نزل رمضان: كان رمضان هو الفريضة، ولم يأمرنا به ولم ينهنا عنه.

واستبدل الله هذه الأمة يوما معظما بشهر معظم ومن تعظيمه أنه كان اختياره للتاريخ مرتين حينما اجتمعوا لتأريخ هذه الأمة، فعن ميمون بن مهران قال: ائتمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف يكتبون التأريخ فقال بعضهم: نكتبه من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: منذ أوحي إليه. وقال بعضهم: من هجرته التي هجر فيها دار الشـرك إلى دار الإيمان. فأجمع رأيهم أن يكتبوه من هجرته. ثم هم أرادوا أن يبتدئوا بشهر رمضان ثم رأوا أن يجعلوه في المحرم.

وشهر رمضان المعظم في الزمان له خصيصة لدى الأمة، فهو درة الشهور وتاجها، وهو الذي يذكرنا بالتأريخ الهجريّ، بما نقوم به من تحري هلال رمضان، وما يذكرنا به من نافذة على التاريخ إذ نرى من خلاله إرث أجدانا على عتبات أمجادنا.

فوائد فقهية للصائمين

أحكام في استقبال هلال رمضان

تستمدّ الشريعةُ الإسلامية الأحكامَ الفقهية من الوحيين، فما من حكم شرعيّ ولا رخصة، إلا ونحن نجد نصا صريحا أو أن يقاسَ أمر جديد على نصّ قديم باجتهاد فقهاء الزمان ضمن ضوابط شرعية وأصولية.

والمسلم الذي يبتغي وجه الله تعالى ويسعى لرضا ربه، ولا يتكبر على طاعة الله، ويتذكر أن الإنسان ضعيف وفقير إلى ربه، ذلك المسلم الذي يرى في الأحكام الشرعية قربى إلى الله فيتعجل بالعبادة ويبادر إليها، وكلما سمع حكما شرعيا امتثل به دون عناد ولا تكبر.

وما أودّ التنبيه إليه هنا، بأنّ التقدم الحضاريّ وما يطرأ فيه من مستجدات فإن لذلك كله أحكام شرعية واضحة، ومن ذلك ما يستجد في حياة الناس من أمور يكون لها أثر في حياة الصائمين، فننبه على بعضها:

أولا: التدخين: إذا تعرض المدخن إلى حالة إدمان أو حالة ضعف أمام شرب الدخان وأدى به ذلك إلى الإفطار في نهار رمضان، فهنا تزداد حرمة تعاطي التدخين لتصل إلى ما يستوجب التوبة.

ثانيا: قد يحرم المسلم الحسنات الكثيرة بانشغاله في عالم التقنيات ولو كان ذلك الانشغال بالحلال، فالمسألة الشرعية تنبه على أن فعل الفرائض أفضل من الواجبات والواجبات أفضل من السنن والسنن أفضل من المستحبات والمستحبات أفضل من المباح. فحريّ بالصائم أن يجني الحسنات في مواسم الطاعات.

ثالثا: الجلوس للدرس في المساجد لطلب العلم ولمعرفة الأحكام الشرعية، قد يكون في حقّ الكثيرين واجب لأن العبادة من غير علم يكون فيها خلل.

رابعا: الاهتمام بالسؤال الشرعيّ، فهو من الأمور الشرعية حيث يجب على المسلم أن يعرف الشخصَ الذي يمكنه الإجابة على سؤاله، ولا يجوز لأحد أن يفتي نفسه أو أن يؤخر السؤال بعد حين، كالذي يتذكر أن يسأل عن أمر حدث معه بعد انتهاء رمضان، كما أنّ السؤال الشرعي قد يكون مندوبا وقد يكون واجبا. وذلك حسب ما يترتب عليه. فلنتنبه!!.

مواقف ذات بهجة

أعطاها دَيناً وهي على غير دِينه

من الإنصاف أن نذكر المواقف التي نعايشها والتي ترِد على مسامعنا من مصادرها الموثوقة، حيث يقول أحدهم:

ما زالت في ذكرتي موقف نبيلٌ عظيم، ففي أواسط السبعينيات من القرن العشرين، كنت في العاشرة من عمري إذ حـضر شريكٌ لجدي والدُ أُمّي في تجارته إلى بيتنا، وطلب من والدتي ضرورة إحضار مبلغ مئتي دينار على جناح السرعة، فأمسكَت بيدي أمي، وقالت: لن يتمكن أحد من مداينتي هذا المبلغ سوى جارنا المسيحيّ فهو تاجر الجملة، وسأذهب إلى محله التجاريّ وأحدثه لعلّ الله ييسـر أمرًا.

وفعلا وصلنا إلى محله التجاريّ، وقالت له أمي أنها بحاجة لمبلغ من المال لمدة أسبوع فقط وتعيده إليه. وإذ به يفتح درج الطاولة ويعطيها المبلغ كاملا. فقالت له أمي تشكرك: ولكن لا بدّ من كتابة ورقة، فقال: لا.. سيماهم في وجوههم.

وبعد أسبوع رجع التاجر وأعاد المبلغ الذي أعادته أمي لتاجر الجملة. إنه موقف لن يُنسى. وحتى يومنا هذا يتعامل أبناء ذلك التاجر بصدق ومصداقية على منوال والدهم.

الأردن في عيون ضيوف رمضان

سامر سمندر.. من أذربيجان

كان لجريدة الرأي لقاءات مع العديد من الطلبة في الجامعات الأردنية من بينهم الطالب الأذربيجاني سامر سمندر، حيث اعتلت محياه السعادة وهو يقول لنا:

أنا طالب أتيت إلى الأردن لأتعلم علوم الشريعة دعوني أولًا أن أشكر أهل الاردن اهتمامهم بنا خصوصا أهالي جامع العرب في الزرقاء، وعلى رأسهم الشيخ الفاضل أحمد الزعبي. وأشكر جميع مشايخ الأردن، فبعد فضل الله كان فضلهم علينا كبيرا، وأشكر الدكاترة الفضلاء في جامعة الزرقاء وأقول جزاكم الله خير الجزاء.

وممن أقدم لهم الشكر مديرية أوقاف الزرقاء التي ترعى العديد من الدورات المجانية وتساعدنا على نشر وسطية الإسلام في بلادنا، وخصوصا شكري العميق للشيخ الفاضل محمد الزبن لجهوده في دورة فنون الخطابة التي تلقيتها على يديه.

وفي هذه الأيام المباركة من شهر رمضان، أسأل الله العظيم أن يبلغنا بركات شهر رمضان المبارك وأسأل الله أن لا نخرج من هذا الشهر إلاوقد غفرت ذنوبنا وأن يديم عليكم الأمن والأمان يا أهل الأردنّ.آمين