الصّيام في عرف (البعض) في مفهومهم, الأمتناع عن الأكل والشرب و...العمل, الرّكون الى التّنبلة والكسل. يقضي النهار نائما على مكتب في دائرة أو على فراشه انتظارا لموعد الإفطار. نراه...يفتح عينا واحدة وفقط...بصعوبة, بزاوية حادّة ضيّقة كأنّه سيخسر مالا إن فتحها أكثر. جفناها دفّتاها تصدران صريرا كباب صدئ يفتح. يختلس نظرة من ثقب عينه إلى الساعة...(أفٍّ) ما زال النهار بأوّله. يسكّ جفنيه ثانية، يشدّها كأنّه يلصقها..يعود لينام ثانية.

النهار طوييييل. هو قضى الليل ساهرا ملزوقا على مقعده في ليلة رعب طويلة يتابع (كلّ) برامج القنوات الفضائيّة. في العادة هو يبدأ قبل الأفطار يالبرامج التي لم يستطع متابعتها بالامس لضيق الوقت..ليتهم يمدّدونه. يحفظ (ليستة) البرامج. يضرب مدفع الأفطار..مدفعنا العزيز: ليتهم يعيدونه من تقاعده...ككثيرين في هذه الأيام! يسمّر عينيه على التلفاز ويداه مغروزتان في أطباق الطّعام. يرمّ..بلا وعي, يجرف كما بلدوزر, يلقف كلّ ما أمامه كما في حيّات سَحَرة فرعون.

يبدأ بالكوميديا: برامج جلّها تراجيدي مبكية لا مضحكة (إلّا ما ندر) يستضحكونه غصبا و بالأكراه. نفس الوجوه القفلات القفشات والبياخة التي تزعزع البدن. نفس الصّراخ هز الوسط عالفاضي والمليان نفش الشعر والغمز واللّمز بسبب وبِلا, فعلا...بَلاء. بعدها حالا بالا, وقد برمجوووه مقدّما, تبدأ المسلسلات (الثّخينة). معظمها إضطهاد للخلق في شهر الرحمة والغفران. جرائم مؤامرات بكاء عويل وندب قاتل أو مقتول. باكوات باشوات إقطاعيون وفتوّات حلويييين كلّهم شبوبيّة, قبضايات بمسدّسات ومدافع وطلقات كالمطر في موسمنا, لا تنقطع و..آكشن. والفتاة الجميلة الدّلوعة تأسر قلب الغضنفر, تتنقّل بين هنا وهناك. يخلقون جوا من الرّعب في ثنايا بيتك ونفسك.

نعود لصاحبنا النائم وقد أصابه الصّداع والخبل وقد تورّمت عيناه من البكاء ممّا رأى في ليلته. كلّ برهة يشق زاوية عينه نحو الساعة و..ما زال النهار بأوّله. لا يريد أن يصحو مبكّرا فيعاني من طول النّهار. أخيرا وقد انصرف جلّ النهار وانتهى الدوام, ينهض يبسمل يمتطي مركبته يجول في الطرقات المزدحمة. في رمضان كلّ شيء مزدحم. في الإزدحام يستطيع المرء قتل الكثير من الوقت و...القلب. والنهار بعده طويييل, بأوّله!.

يلمح طابورا طويييلا أمام بسطة قطايف. نحن نعشق القطايف في رمضان, ,نعشق الطوابير! بين كلّ طابور وطابور..طابوران. يأخذ مكانه في الذيل. تمضي الدّقائق ثقيلة يذبحها في التحرّش بالحديث عن أيّ شيء! غالبا عن ارتفاع سعر البندورة, التغيير الوزاري و...قد يحالفه الحظّ, هوشات ممثلينا في المجالس, والدّخان قضيّة وممارسة, أو كم طلقة أطلقها البطل على غريمه في مسلسل العاشرة. ينتقل إلى طابور آخر, عصائر خبز نقارش حلويات...لا يهمّ!.

أفندينا يعشق الأسواق الكبيرة (المولات) بها يذبح ساعات النّهار. يدورعلى الرفوف يجردها جردا. تجذبه العلامات الحمراء بتنزيلات صارخة على الأسعار..على ذمّة واضعيها!. يملأ عربات تسوّقه بلا حاجة للشراء، يصول يجول حتّى ما قبل الأذان بعشر دقائق لينطلق يسابق الريح في مركبته. يعتدي على دورهذا يشتم ذاك يكبس أنفاس الزامور ويداه تشوحا تتوعّدا: ابتعدوا...إنّي صائم. يقال:«البعض لن يناله من صيامه إلّا الجوع والعطش», والله أعلم...أفطارا هنيئا!.

mbyaish@gmail.com