د. أسماء سالم



من يتأمّلُ رواية «مرآة واحدة لا تكفي» للكاتب حسن أبو دية، يجدها مع قصرها وكثافتها تقف على موضوع واسعٍ يُسلّط الضّوء على التّناحر الخارجيّ والدّاخليّ وتفتّت القوى الفلسطينيّة، برؤيةٍ شموليّة ترصد علاقة الإنسان بالمكان.

وتُعدّ الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون» (2019) في خمسٍ وتسعين صفحة، من أدب الشّتات أو اللجوء، الذي يصوّر مآسي الإنسان في المنافي وعلاقته بوطنه الذي يسكنه أينما حلّ، وما يتعلّق به من إحساسٍ بالألم والضّياع، إثر التّهجير من مُخيّم إلى آخر، والتّبعثر في البلاد من قُطر إلى قُطر، فبالرّغم من النّجاة إلا أنّ حلم العودة يتملّكه ويحكم علاقاته، والمهجر يُضيّقُ عليه ويضيقُ به.

ولعلّ الصّادم في هذا العمل هو عنوانه الذي كسر أفق التّوقّع بعد قراءته، فحين قرأته، للوهلة الأولى، قلتُ في نفسي: مرآة واحدة تكفي الفلسطينيَّ المُشرّد لتعكس التّشظّي في ذاته برمزيّة عالية، لكنّ الإهداء: «إلى كلّ من يُهدينا مرآة تُكمل لنا الرّؤية» حمل على ضّبابيّة الرّؤية واستيضاحها، إثر تنامي الأزمة وتعقّد القضيّة الفلسطينيّة واقعاً ومُتخيّلاً؛ ففي حياة اللاجئ الفلسطينيّ مرايا مؤلمة ومُهشّمة تُشتّته وتعكس صُوراً عن حياته، وتعبّر عن آلامه واغترابه.

وقد أثارت هذه الرّواية أسئلة جادّة تتعلّق بالوطن والإنسان، مُستندةً إلى الواقع وإلى مرحلة تاريخيّة حرجة ممتدّة من سبعينات القرن المنصرم حتّى سنواته الأخيرة، لتحكي عن العمل الفدائيّ والثّورة الفلسطينيّة المُطارَدة، وبعض التّحدّيات التي واجهت الفدائيّين في الأردنّ وسوريا ولبنان، كأيلول الأسود عام 1970 في الأردنّ، ودعم المُنشقّين عن «فتح» في سوريا، وغزو إسرائيل لبيروت عام 1982، والانقسام عن السّلطة بإعلان انشقاق حركة المقاومة الإسلاميّة (حماس) عام 1987، واحتدام المشاحنات بينهما، ولا جدوى توحيد الجهود لاسيّما بُعيد اتفاقيّة «أوسلو» عام 1993 وغير ذلك، راصدةً تحوّل شخصيّة «سامي مصطفى» من شخصيّة فدائيّة مُناضلة ذات أثر، إلى أخرى جانحة الى التّخفّي والماضي والتقوقع على النفس والانعزال بحثاً عن الاستقرار؛ تلك الشّخصيّة التي شاءت ظروفها وتنقّلاتها من مخيّم الوحدات في عمّان إلى مخيّم اليرموك في دمشق، أن تتحوّل إلى العمل الفدائيّ في جنوب لبنان.

ولم تقم الرّواية بمعالجة مجتمع المخيّمات ونضالها ومقاومتها لمعطيات الواقع، بقدر اهتمامها بمخرجات الشّتات واللجوء والضّياع، في توليفة سرديّة عُنيت برسم ملامح شخصيّة الفدائيّ والكاتب وأستاذ الفلسفة «سامي اليافيّ»، وعدم استقراره النفسيّ وعدم انسجام حياته.

إذ بدأت الرواية بتناول قصّة عشق «سامي» لصحفيّة أجنبيّة تدرس الحضارة الشّرقيّة وتحكي في مقالاتها عن المقاومة والثّورة والشّرق وتفاصيل حياة المُهجّرين ومرارة تجاربهم ومصائرهم، حتّى حفّزت الأحداث تداعياته بالمونولوج والاسترجاع وتبادل الرّسائل؛ لتتكشّف العودةُ هاجساً مُلحّاً عليه، وكذلك الرّغبة في التّحرّر من المنفى والاستقرار بعيداً عن الحرب، في أحضان الحبّ الذي افتقده، فوجدهُ مع الصّحفيّة الإسبانيّة «لندا» أو «كفاح» المُتّخذة اسم زوجته التي راحت ضحيّةً إثر مجزرة «صبرا وشاتيلا»؛ مُحاولاً التّحدّي، رغم انشطاره بين الماضي والحاضر، والواقع والحُلُم، والزّمان والمكان أو الأمكنة بحدّ ذاتها وواقع تحوُّلاته التي اعترف بها، غير مرّة: «في طريق العودة، قالت: ألم تكن أنت؟! قلتُ: بلى، كنتُ، لكنّي لم أعد ذاك الشّابّ الذي استُشهد في بيروت، وهنيئاً له تلك الشّهادة».

ولعلّ المُدهش في هذه الرواية المكوّنة من (16) عنواناً، بدءاً بـ«ذات مساء» وانتهاءً بـ«العودة»، توتّر الحبكة وتفكّكها، وعدم تسلسل أحداثها تعزيزاً للرّؤية، والقفز الزّمانيّ والمكانيّ بالتّناوب، علاوةً على حضور الحوار لاسيّما الدّاخليّ (المونولوج) الممزوج بتداعيات مُنفتحة على استرجاع أحداث انتقال «سامي» مع العائلة من الأردنّ إلى سوريا، وتنامي ثقافة الخوف والموت، وطرده، وانضمامه إلى معسكر «عدرا» للفدائيّين في ريف دمشق، ثمّ عمله الفدائيّ في لبنان، وتعرّضه لإصابة في الكتف، وإتمامه دراسة الدكتوراه في الفلسفة، وتعرّفه على «لندا» في دمشق، وزيارته لمخيّم اليرموك بحثاً عن أخته.

وقام سرد الأحداث، رغم قلّة الشّخصيّات، على شخصيّتين مُحوريّتين: «سامي» و«لندا» (الوردة الحمراء) اللتين تحكيان عن هموم مستمّدة من واقع الشّتات ووجع الإنسان وأزمة فلسطين وقضيّتها، كشفاً لامتداد أثر بعض اللحظات التّاريخيّة؛ فالخاسر دوماً هو الإنسان المُثقل بالحنين والضّياع والتّوجّس وفقدان الهُويّة، والمُتمثّل في (سامي/ تشي أبو شرار) كما اتّضح، وهو أنموذج للشّخصيّة الوطنيّة الثّوريّة المُثقّفة والمُعجبة بجيفارا وكاسترو ودرويش ومانديلا، والمُؤمنة بالنّضال حتّى النّخاع، من جهة: «(كفاح) وكثير من الأسماء نطلقها على الجنسين، أيْ ليس له هُويّة جنسيّة، هُويّته تكمن في الفعل المُقاوم للواقع الزّائف، وهو مطلوب من الجنسين»؛ والعاشقة من جهة أخرى، جامعةً بين الوطن والمرأة، والثّورة والعشق.

وعليه، استحضرت هذه الرّواية المُتمكّنة بسلاسة ولغة منسابة وإتقان فنّيّ، مزيجاً من المُتنافرات كالحرب والحبّ، والخوف والاطمئنان، والقلق والاستقرار، والماضي والحاضر، والشّرق والغرب، والفكر والعمل، والواقع والحلم، إضافة إلى تداعيات العدوان واللجوء والوطن المُضيّع والنّضال وحلم العودة: «كأنّنا حجارة فسيفساء تتجمّع لترسم وطناً أزالوا اسمه عن الخريطة ودفعوا بشعبه إلى أحضان المجهول، إلى الخيام، إلى أنياب الغول، وبعد التّيه كانت البندقيّة رمزاً للوجود، فلا تعجبي من عشقنا للسّلاح، فبه وُلدنا من جديد، وبه كنّا نرسم الحلم».