د. مصطفى مزاحم



ربما كان الغموض مذهباً سائداً في قياس جمال الشعر وابداعه، على الأقل في عصرنا الحديث، وإن كان أبو تمام من قبل قد سلك سبيله فلقيَ ما لقي، لكنه اليوم، وفي الأمس القريب، كان له نصيبه الأوفى في الدراسة والنظر، ويعزى ذلك -كما هو معروف- إلى براعة الشاعر في تجسيم وتجسيد تلك المعاني والأفكار في قالب لفظي، يعجز عنه الآخرون، فضلاً على الفرد العادي، فها هنا ميزتان؛ الأولى في عمق الفكرة وسموها، والثانية في المكنة في إظهارها على الورق.

أما الإغراب في الغموض، وتعقيد الموضوعات من أجل الابهام والخلط، فذاك مرفوض؛ لأنه إلى التحذلق والتشادق أقرب، ويبقى الأمر منوطاً بصدق التعبير عن الفكرة مهما كانت غريبة، بلا إفراط أو تفريط.

مثالنا ها هنا قصيدة للشاعر محمد صابر عبيد صدّرها باسم «كثافة ماكرة»، وعنوانها ينطق عنها، وفيها من الغرابة والغموض الشيء الكثير، وإذا كان الشاعر معروفاً في الكثير من قصائده بهذا المنزع، وقد تبدو العناية اللفظية في بعضها على حساب اللغة، لكنه في هذه القصيدة، جاء بأقصى ما يحضره من معجمه اللغوي لتمثيل ما يعتلج في صدره، وعنوانها ينبئ عنها، فهي «كثافة»، ولا تكون إلّا كثافة في المعنى الممثَّل باللفظ، وهي «ماكرة»؛ لأنها تحمل أوجهاً عديدة، يمكن أن يراها قارئٌ ما أو مجموعة قراء، لكن مقصد الشاعر هو عينه، بحسب المعنى الجائل والكامن في الذهن.

والقصيدة تطلق مستصغرَ شرَرِها الأول لتشعل حرائق المعنى والذاكرة عند القارئ، في سطر شعري التزم إيقاعاً وزنياً دون سطور القصيدة؛ لإحداث الأثر المشار إليه، ولتشد القارئ بعد أن ينكسر الوزن مترقباً العودة إلى إيقاع يركن إليه، وخلال ذلك المضيّ والترقب، يندغم في الطقس السحري الذي يضم القصيدة ويحتويها؛ «من أي سر يا ترى» (مستفعلن مستفعلن)، ثم يعقبه بسطرٍ كسرَ قيد الوزن ودخل بالقارئ إلى المنطقة الشعرية ذات الكثافة العالية «الماكرة»: «فجّرت البنفسجة هذا اللغز».

ومن هذا السطر يمكن تقسيم القصيدة على أربعة أجزاء؛ كانت الأجزاء الثلاثة الأولى مجموعة من الأسئلة المثيرة، وقد توزعت في أدوات الاستفهام (أيّ، وكيف، والهمزة). والناظر في القصيدة يجد الشاعر بوساطةٍ من هذه الأدوات يسأل فيها عن «المصدر» وهو الباعث على القصيدة، والكيفية التي أجراها ذلك المصدر على انفعالاته، ثم الهمزة التي ردد بها الشاعر الكثير من الصور للمعنى الذي تملّكه، أما الجزء الأخير فكان مجموعة من السطور الشعرية تحمل طابع الأخبار المتكونة من مسنَد ومسنَد إليه، ويلاحَظ فيها أن المسنَد إليه كان مبتدأ دائماً، وفيه إشارة إلى تأسيس المعنى وتقريره وتوكيده، أما المسند فكان اسماً تارة وفعلاً تارة أخرى، مع ملاحظة أن الصيغة الفعلية لخبر المبتدأ تأتي للتأكيد، وهي هنا لتأكيد المعنى وترسيخه.

وإذ تسير القصيدة بهذا المنحى، فإنّ درجة الغموض تبلغ الذروة في خاتمتها، وهو غموض جعل من العطف وسيلة لتأدية المعنى، عبر الجمع بين دوالّ لا يمكن تصنيفها بالترادف أو التناقض، مع أنها تحتمل كلا الأمرين، وفي ذلك إشارة إلى العنوان، فالمعنى المكر بالضبط، لا سيما أن التشبيه البليغ (المرسل المؤكد) في قوله «الطهر والشحوب» قد اشترك بمشبَّه به واحد، هو «توأمان»، مما يجعل القارئ في حيرة من أمره في مقصد الشاعر، لكنه في الوقت نفسه تنفتح له معانٍ كثيرة، منها على سبيل المثال أن الطهر عند الشاعر والشحوب الذي يحتمل البؤس والأسى والانكسار لديه سيّان؛ إذ كلاهما يجري في عملية التطهير الحاصلة للنفس، أو أن اليأس من أمرٍ ما يجعل القارئ يظن أن الطهر والشحوب، وكذلك البرد والدموع، يقعان على الحافة عينها. وربما تداعت من هذا المعنى صورةُ تلك الشفة المتناقضة بين التوهج والإحجام، في ظرف يعكس صورة المطر والطقس الذي يصحبه، ووقعه لدى الشعراء والمتلقين في انثيال القصيدة وبريق الشعر ورونق الشعور، في طقس يسوده الصمت الآسر، الذي يطبق على روعة القصيدة، فيصمت في محرابها الشعراء والقراء، وتلك هي روعتها، في الصمت فقط:

«فالطهر والشحوب توأمان

والبرد والدموع توأمان...

والشفة التي توشك لفرط ثقلها وتحدّيها أن تحترق

ستنشغل بعد هنيهة بالمطر

وتنسى - ولو إلى حين -

أنّ سحر القصيدة في صمتها

صمتها فقط».

وإذا كان من خلاصة للقصيدة، فإنها قصيدة الغموض الفني، ابتعدت فيها عن التقريرية والمباشرة، وحاولت بتوفيقٍ أن تجمع بين الحقيقة والحلم، والواقع والخيال، من أجل اقتناص أكبر قدر ممكن من المعاني، في محاولة من الشاعر رسم الشعور بأقصى ما تستطيعه اللغة، أو الاقتراب على أقل تقدير من تلك المنطقة الشعورية الحالمة.