حياة القرالة

تطل بلدة العراق الوادعة على البحر الميت حيث شوارعها الضيقة وطرقها المتعرجة فما ان تدخل إليها حتى تصافحك الأشجار بابتسامة عذبة وتبتهل بيوتها تهليلا وترحيبا بضيوفها عندها تفوح رائحة القدور مرحبة بالضيوف فيغمرونك بطيب معشرهم فيلتفون حولك يسامرونك حتى يعتلي قدرك ويؤدون واجبهم تجاهك دون أي تردد...فقد حتمت طبيعتهم التي توارثوها عن اجدادهم ان يكرموا كل من زار أعتاب منازلهم .. فسجيتهم جبلت على ذلك...فهم من ابوا ان يكونوا تحت مصيدة الأتراك... رفضوا الذل وتقاضوا الشموخ والهيبة فالكرامة بالنسبة لهم ليست موضوع نقاش او مساومة.. بل هي تاج يثبت جذورهم ودافعيتهم لحمى هذا الوطن... فهذه القرية المنسية قدمت للوطن تاريخاً مشرفاً يستحق أن يذكر ويتكلل بجواهر الفخر والشموخ...

فقد أخبرنا الحاج موسى الخطبا عن تاريخ هذه القرية وقال انه تمت الابادة العرقية في قرية عراق الكرك على مرحلتين... المرحلة الأولى كانت في عام 1907..وسميت بوقعة عين ترجعين.. حيث وقع اول صدام بين أهالي عراق الكرك وقوات الاحتلال التركي عند عين مياه ترجعين حيث خالف الأتراك الاتفاق بعدم ورود الماء من قبل قوات الاحتلال الا بوقت محدد فقام العثمانيون بكسر الاتفاق وتواجدوا بوقت ورود نساء البلدة اليه.. فهاجم فرسان عشيرة المواجدة قوات الاحتلال التركي وقتلوا ثلاثة جنود بينما استشهد اثنان من أبناء المواجدة دفاعا وكرامة عن بلدتهم..

اما في عام ١٩١٠... فقد كانت بلدة العراق انذاك مديرية ناحية الكرك كاملة كان الأتراك يلاقون مقاومة من أهالي البلدة وفي يوم من الايام قام الشيخ مسلم المواجدة بإقامة وليمة دعا إليها أفراد الجيش التركي وبعد تناول الغداء كان يخرج الجنود فيلاقون حتفهم ويقتلون الا جندي واحد اخذ حذره وبطريقة او بأخرى انسحب ووصل إلى قيادة الجيش التركي عندها جهزوا جيشا وذهبوا الي بلدة كثربا معتقدين انها العراق فكان هناك رجل يدعى غريب الخطاب فأخذوه دليلاً ليدلهم على بلدة العراق وعند القرب من البلدة اخذ يصيح امان.. امان.. الكل يبقى في بيته ولا يخرج.. حتى حاصروا البلدة وجمعوا الرجال في منزل خليل موسى المواجدة واخذوا يسألون كل رجل هل تريد أن تموت بالحربة (طعن) ام (بالرصاص).... إلى أن قتلوا تسعة وتسعين رجلا وشاهدوا امرأة من مسافة ١كم يحضنها ولد فأطلقوا النار عليهم حيث أصبح العدد ١٠١..مئة وواحداً.. و كان القتلى من مختلف العشائر في بلدة العراق.

لقد جسد الشعر الشعبي مرحلة الهية التي ساد فيها الظلم والتعسف والبطش العثماني وإجبار الناس على ترك السخرة (وهي الاجبار على فعل الشيء) فقد قال الشاعر (عبدالله العكشة)

الله من قلب اضرمت بيه نيران جوى ضلوعي زايد الها الهابا....

ع ديرة ماهي ملك ابن عثمان ظلت عزيزة بالشرف والمهابا.....

ترى السخره خلت الناس نسوان او غدت على بعض المخاليق نابا....

عسكر تركنا شارب الشف فسقان وحنا فريسة او هم صاروا ذيابا....

ياشيوخنا صفت عذاري بديوان والكل منهم ساعيا بالخرابا.....

حنا الغنم وانتم الكل رعيان حسبي عليكو الله صرنا نهابا....

شيخا بلا عزوة وترى ماله الشان او عزوة بلا شيخا بليا مهابا.....

في العراق مجموعة من العشائر الكبرى مثل المواجدة والمواجدة مجموعة عائلات.. منهم عيال خليل، عيال شتيوي،عيال موسى، عيال ابراهيم، عيال سعيد، وعيال احمد، الهواريين، عيال جبرائيل.

اما العشائر الأخرى فهي الخطبا، الحطيبات، التيمه، الموانيس، الطبور، المرابحة، الحرازنة.

تشتهر بلدة العراق بأشجار التين والزيتون والعنب والرمان والسفرجل والمشمش والعناب عدا زراعة العديد من الخضار والفاكهة مثل الطماطم والبطيخ والشمام ويشتهر أهلها أيضا بتربية الماشية نظرا لطبيعتها وتكاثر انواع الأعشاب والشجر فيها فهي منطقة خصبة تعتمد على عيون الماء التي ترويها ورطوبة المنطقة.

في الستينات... كانت بلدة العراق مكان تجمع لطلاب العلم من جميع انحاء المنطقة من لواء عي (كثربا، جوزا)، الطيبة، المزار..

بلدة تحملت كل هذه التضحيات تستحق منا ان نسلط الضوء عليها ونروي قصصها وتُدرس في كتب التاريخ

ففي وطني من الجمال ما يعجز الناظر عن وصفه تلك القرى التي ضربت جذورها في التاريخ واستطاعت في فترة من الزمن ان تشكل حالة على خارطة الوطن والعالم...

نعم.. نفتخر بقرانا وبوادينا وسهولنا وجبالنا ففيها من أسرار الجمال ما يجعل النفس أسيرة هواها.....