يقوم باحثو آي بي إم (IBM) بتطوير معمارية حاسوبية جديدة مجهزة بشكل أفضل للتعامل مع أحمال البيانات الزائدة من الذكاء الاصطناعي. وتعتمد تصاميمهم على مفاهيم من الدماغ البشري حيث تتفوق بشكل ملحوظ على أجهزة الحاسوب التقليدية في الدراسات المقارنة. وقد أورد الباحثون نتائجهم الأخيرة في مجلة الفيزياء التطبيقية (Journal of Applied Physics) من منشورات المعهد الأمريكي للفيزياء (AIP). تُبنى حواسيب اليوم على معمارية فون نيومان (Von Neumann) والتي طُوِّرَت في أربعينيات القرن الماضي؛ وتتميز أنظمة حوسبة فون نيومان بمعالج مركزي يقوم بتنفيذ العمليات المنطقية والحسابية، ووحدة الذاكرة ووحدة التخزين وأجهزة الإدخال والإخراج. وعلى عكس مكونات الحواسيب التقليدية؛ ويقترح المؤلفون أن أجهزة الحاسوب المستوحاة من الدماغ يمكن أن يكون لها وحدات معالجة وذاكرة مشتركة. وقد أوضح آبو سيباستيان (Abu Sebastian) _وهو مؤلف للورقة البحثية_أنّ تنفيذ مهامٍ حسابية معيّنة في ذاكرة الحاسوب سيزيد من كفاءة النظام ويوفر الطاقة. يقول سيباستيان: «إذا نظرنا إلى البشر، فإننا نحسب مستخدمين من 20 إلى 30 وات من الطاقة، في حين أنّ الذكاء الاصطناعي يعتمد اليوم على أجهزة الحواسيب العملاقة التي تعمل بطاقة تُقاس بالكيلووات أو الميجاوات. في المخ، تقوم المشابك العصبية (Synapses) بكل من حساب وتخزين المعلومات. وفي معمارية جديدة تتفوق على فون نيومان، يجب أن تلعب الذاكرة دوراً أنشط في الحوسبة». وقد اعتمد فريق أي بي إم على ثلاثة مستويات مختلفة من الأفكار المستوحاة من الدماغ. يستغل المستوى الأول ديناميكيات حالة جهاز الذاكرة لأداء المهام الحسابية في الذاكرة نفسها، وهذا مشابه لكيفية تواجد ذاكرة الدماغ والمعالجة في نفس المكان. أما المستوى الثاني؛ فيعتمد على بنية شبكة الدماغ المشبكية كمصدر إلهام لمصفوفات أجهزة ذاكرة تغيير الطور (PCM) لتسريع تدريب الشبكات العصبية العميقة. وأخيراً؛ فإنّ طبيعة الخلايا والمشابك العصبية الديناميكية والعشوائية ألهمت الفريق لإنشاء ركيزة حاسوبية قوية لرفع مستوى الشبكات العصبية. إنّ ذاكرة تغيير الطور ما هي إلّا جهاز ذاكرة نانوية مصنوعة بمركبات الجرمانيوم (Ge) والتيلوريوم (Te) والأنتيمون (Sb) موضوعين بين الأقطاب الكهربائية. وتظهر تلك المركبات خصائص كهربائية مختلفة معتمدة على ترتيبها الذرّي، فعلى سبيل المثال: في الحالة العشوائية تُظهر تلك المواد مقاومة عالية، بينما في الحالة البلورية تُظهر مقاومة منخفضة. وباستخدام النبضات الكهربائية؛ قام الباحثون بتشكيل نسبة المواد في المرحلتين البلورية واللابلورية، وبالتالي فإنّ أجهزة ذاكرة تغيير الطّور يمكن أن تدعم تدرّج متصل من المقاومة أو التوصيلية الكهربائية. وهذا التخزين التناظري يشبه بشكل أفضل المشابك البيولوجية غير الثنائية، كما يتيح تخزين معلوماتٍ أكثر في جهازٍ نانوي واحد. وقد واجه سيباستيان وزملاؤه في آي بي إم نتائج مفاجئة في دراساتهم المقارنة حول كفاءة هذه الأنظمة المقترحة، ويقول سيباستيان: «لقد توقعنا دائماً أن تكون هذه الأنظمة أفضل بكثير من أنظمة الحوسبة التقليدية في بعض المهام، لكننا تفاجأنا بمدى فعالية بعض هذه الأنظمة». وفي العام الماضي قاموا بتشغيل خوارزمية تعلّم الآلة بدون رقابة على حاسوب تقليدي ونموذج لمنصة ذاكرة حاسوبية مبنية على أجهزة ذاكرة تغيير الطّور. وقال سيباستيان في ذلك: «لقد تمكنا من تحقيق أداءٍ أسرعَ بـ 200 مرّة في أنظمة حوسبة ذاكرة تغيير الطّور بالمقارنة مع أنظمة الحوسبة التقليدية، وكنا نعرف دائماً أنّ تلك الأنظمة ستكون فعّالة لكننا لم نتوقع أن تتفوّق بهذا القدر». ويواصل الفريق بناء نماذج لرقائق وأنظمة مبنيّة على مفاهيم مستوحاة من الدماغ.