كتب: خالد قوقزة

في حاراتنا المنسية، كان لرمضان نكهة خاصة وبهجة تضاهي هذا الزمن الذي اصبح فيه رمضان عادة أكثر مما هو عبادة. في تلك الحارات كان الناس ينتظرون الشهر المبارك، فالصغير قبل الكبير يرصد الهلال وينتظر اعلان الاول من شهر الصيام، فهو شهر رحمة ومغفرة وعفو وشهر تواصل وتراحم وتضامن. وعلى الرغم من الفقر الذي كان السمة العامة لأهالي الحارات المنسية، الا انهم كانوا يجودون بما هو موجود، فالمونة كتيرة وباركها الباري، وكواير الطحين مليئة، وخوابي الزيت عديدة، وخم الدجاج لا ينضب، وزريبة الغنم تعج بالمنايح والجديان اللاحمة، فالخير وفير والبركة ملموسة والشكر للرحمن دائم.

لم يكن في حاراتنا المنسية اجهزة تلفاز وشاشات عرض وفضائيات كما اليوم، بل كان هناك الخال عيسى الذي كان يحوز على كتاب سيرة بني هلال، فكان بيته مكان السمر والسهر، يؤمّه ختيارية الحارة بعد صلاة التراويح ليسمعوا منه كل ليلة جزءا من سيرة الفارس ابو زيد وحربه مع اليونانيين، وخلافه مع الزناتي خليفة. وفي النهار كانت دكّانة الحاج موسى ملقى الأحبة، فبعد صلاة الظهر تجد ابا فلاح وابا عودة يلعبان القطنبر او القطار بحضور ابي فالح وابي اشعل وابي شريم وعندما يُنادى لصلاة العصر يذهبون ويؤدون صلاتهم وبعدها يعودون الى بيوتهم، فهذا ابو فلاح يحمل بيده كيسا به عوّامة وآخر به تمر هندي وينادي ام فلاح متسائلا : وشوه فطورك اليوم، فترد : شاكرية بلحمة، ويطلب منها ان تحضر كيس الهيشي، فيبدأ بلف سكاير الهيشي ليدخنها بعد الإفطار، وذلك ابو عودة يسلّم ام عواد كيسا به قطايف ويقول لأم فلاح هاتي لي حشوتهن فيقوم بحشي القطايف بالجوز وجوز الهند والقرفة. اما النسوة وبعد ان أكملت الخبيز في الطابون او على الصاج، تبدا بتحضير الافطار، وتزيد من الكمية فربما عابر سبيل وربما احد الجيران لم يتمكن من عمل أفطار ذلك اليوم.

في رمضان لابد من صحن متبادل بين الجيران، صحن من وجبة الافطار، وصحن لمسكين وصحن لعنيّة (صلة رحم) وصحن لمن شم رائحة الطبخ وأشتهاه.

اطفال الحارات المنسية كانوا لا يتوانون عن الصيام، فالصغير يجوع ويعطش ولكنه يأبى الا ان يكمل يومه ليفوز بفرحة الأفطار وفرحة الثواب عند رب العباد، وكانوا لا يتوانون عن الصلاة فقد آمنوا بأن الصيام بلا صلاة كالراعي بلا عصاه (هكذا كان الكبار يقولون لإقناع الصغار).

صغار الحارات المنسية كانوا يقومون بدور المسحراتي في الحارات فبعد لعب الطميمة ليلا يحمل الصغار عصا وتنكة فارغة فيبدأون بإيقاظ النائمين للسحور وكانوا يرددون:

‹يا نايم وحّد الدّايم

يا غافي وحّد الله

يا نايم وحّد مولاك

اللي خلقك ما بنساك

قوموا إلى سحوركم

جاء رمضان يزوركم

رمضان كان أجمل في حاراتنا ايام الزمن الجميل، بوجود الطيبين الذين أحبوا لغيرهم كما احبوا لأنفسهم، والذين لم يستلذوا بلقمة شم رائحتها جار او مسكين.