سجل العجز المالي لدى الوحدات الحكومية المستقلة ارتفاعاً بنسبه 156% وهو ارتفاع مرعب، حيث كان حوالي 97 مليون دينار في العام 2017 ليبلغ 248 مليون دينار في العام 2018، أي ان العجز ارتفع بمقدار 151 مليون دينار في سنة واحدة. الاستفادة التي تحققت للعامة جد محدودة والمنتفعون على الاغلب هم مجالس المفوضون والأعضاء المتفرغون في مكاتب دون مبرر، حيث هم على ارض الواقع يمثلون تكراراً لوظائف ومهام يتولاها مدراء الإدارات في تلك الوحدات، وهذا الوضع المستغرب جاء نتيجة التأخر والتردد في اغلاق ملف هذه الوحدات التي وعدت الحكومة بحسمه منذ مده طويله من خلال الدمج او الإلغاء لكن يبدو انه يراوح مكانه.

الحسابات تمثل ماليه 57 وحده حكومية وفق تقرير وزارةالمالية وهي كلها تشكل عبئا ليس على الموازنة فحسب وانما على رئيس الوزراء بسبب ارتباطها به دون توفر الوقت الكافي لديه للرقابة عليها ومتابعه شؤونها.

كان الاجدى بهذه ال 248 مليونا ان تكون تحت بند النفقات الرأسمالية في الموازنة وهي اموال تنفق في اتجاه التنمية وتحريك عجله الاقتصاد وتطوير البنية التحتية، وليست كالنفقات الجارية التي في معظمها رواتب ومصاريف ادارية جامدة. هذا المبلغ من السهل ان يحرك اقتصاد صغير كالأردني وهو ما كان يحدث عندما كانت المشاريع الرأسمالية تشكل حوالي 25% من مجمل الموازنة ما بين 2004-2009 قبل ان تتراجع ويتسع الهدر وتبقى الرواتب المرتفعة لمفوضين وأعضاء متفرغين دون الحاجة لتفرغهم.

عموماً الوحدات المستقلة تفتقر للتنظيم الإداري السليم واقصد هنا التبعيات الخاطئة حيث مثلاً يجب ان تندرج هيئه الطاقة الذرية وهيئه تنظيم قطاع الطاقة والمعادن تحت مظلة وزارة الطاقة لا ان تتبعا لرئيس الوزراء مع النظر في دمجهما، وكذلك المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا المنفصل عن وزاره التعليم العالي والمرتبط برئيس الحكومة دون مبرر، وغيرها من الوحدات التي تتبع لرئيس الوزراء بينما الوزارة المعنية لا علاقة لها، والتصحيح يكون بأن تتبع كل وحده حكومية للوزارة ذات العلاقة كلها باستثناء البنك المركزي طبعاً.

وهنا يستوقفنا البنك المركزي ليكون مثالاً على كفاءه تجربة عدم الحاجة لمجلس من المتفرغين بل هو يدار من قبل المحافظ وهناك مجلس يجتمع متى ما دعت الحاجة دون الحاجة للتفرغ اليومي وهو النموذج الناجع رقابياً.

بمعنى ان التجربة العملية تستدعي ترشيق الحمل الثقيل الذي سيقود الى وفورات ماليه توجه نحو الإنفاق الرأسمالي وتدعم الطاقة المكلفة، بحيث يتم الغاء مجالس المفوضين والأعضاء المتفرغين من كل الوحدات المستقلة في بلد استنسخنا له دون مبرر تجارب الولايات المتحدة وغرب أوروبا ذات الاقتصادات الضخمة والهياكل الحكومية التي تبرر هذه المجالس في بلدانهم لكنها بالتأكيد لا تناسب الأردن، مما يستدعي تحويلهم الى أعضاء مجالس ادارة يجتمعون بحدود اربع الى ست مرات في السنة، مع النظر في إلحاق بعض المؤسسات كمديريات في الوزارات المعنية والغاء ما لا يلزم مما سيخفض الهدر، لان رواتب ومزايا هؤلاء لا تتناسب مع وضع الأردن المالي ولا مع انجازاتهم.

العجز الأهم في موازنات تلك الوحدات يعود لسلطة المياه والمؤسسات التابعة لها ومشكله العجز متفاقمة لثلاثة أسباب، الأول الفاقد من المياه بسبب التسرب لتآكل وقدم الشبكات والذي يبلغ حوالي 50% وهو موضوع ممتد عميقاً لعشرات السنين، والثاني ارتفاع كلف الطاقة وانعكاسها على كلفة المياه التي تضخ بالكهرباء، والثالث السرقات والتعدي وحفر الابار دون ترخيص.

العلاج يكون بالضرب بيد من حديد وتجديد الشبكات والتحول الكامل لقطاع الفنادق والسياحة نحو الطاقة المتجددة حتى لا تتأثرالسياحة سلباً بالتزامن مع تقديم الدعم للمستحقين من ذوي الدخل المحدود، وبالنتيجة التحول الكامل نحو تحرير هذا القطاع والعمل وفق الكلفة.

كلها أمور تحتاج لوقت طويل حتى تؤتي أوكلها بينما ترشيق الوحدات واعادة النظر في تبعيتها وسرعة دمجها والغاء بعضها واعادة النظر في التفرغ والحد من المزايا الترفيه للأعضاء حتى لو كانت المؤسسة رابحة فالربحية ستزيد بإلغاء التفرغ المكلف، كلها أمور سريعة المردود ايجاباً على الموازنة وستلقى ارتياحاً لدى شريحة واسعة من المواطنين.