كان محمد حسنين هيكل الأشهر في عالم الصحافة العربية يكرر انه صحفي وليس مؤرخاً رغم ان مقالاته واحاديثه التلفزيونية كانت تتعرض لتاريخ المنطقة وعلاقاتها السياسية بالعالم في معظم القرن الماضي وبدايات القرن الواحد والعشرين.. ونحن نوافقه على رأيه اذ نعرف أن كتابة التاريخ علم له قواعده واصوله التي يتقيد بها المؤرخون لكن لا أحد ينكر دور الصحافة في تزويدهم بالكثير من المعلومات والوقائع التي يخضعونها من ثم للمعايير الصارمة من التنقيح فنراهم على سبيل المثال قد اعتمدوا في جزء مهم من تأريخهم لمصر في القرن التاسع عشر على ما كتبه يعقوب صنوع رائد المسرح في عهد الخديوي اسماعيل في صحفه المعارضة الاربع واهمها جريدة ((ابو نضّارة)) من اخبار وتعليقات ناقدة لاذعة تفضح اكاذيب البيانات الحكومية !

صحيح ان المؤرخين الاوائل كتبوا تاريخ البشرية اعتماداً على الاحفوريات والآثار وما ظهر فيها من حروف ونقوش وعلى الوثائق والمدونات المحفوظة، لكن بعضهم خصوصاً من الاوروبيين انحرفوا عن هذه المعايير لفترة طويلة من الزمن فاستندوا الى ما جاء في الكتب والاسفار الدينية وعلى رأسها التوراة، الامر الذي ثبت بطلانه ومن ثم السخرية منه من قبل المؤرخين الجدد! وصحيح ايضا ان كتاب التاريخ اليوم يلتقطون كل صغيرة وكبيرة لها علاقة بتاريخ فترة معينة لبلد ما فمثلا يوجين روغان استاذ التاريخ في جامعة اوكسفورد في كتابه ((العرب.. تاريخ))/ 2009 ذكر بصراحة انه نقل كثيراً من الوقائع وسيَر الاشخاص في القرن الثامن عشر اثناء الحكم العثماني لسوريا عما كان يدوّنه في مفكرته اليومية حلاق دمشق (المثقف أحمد البديري)، وأنهم، اي كتاب التاريخ، في الوقت الذي يثقون بصحف البلاد الديمقراطية التي يجري فيها تداول السلطة فانهم لم يحترموا قط ما طفح به اعلام الدكتاتوريات في اوغندا تمجيدا لعيدي امين وفي ليبيا لمعمر القذافي وأخيراً في السودان لعمر البشير! لكنهم لم يبقوا في حالة انتظار حتى تتغير انظمة الحكم تلك، بل كانوا يلجأون دون تلكؤ الى اي صحافة استقصائية ان وجدت في الداخل او الخارج، وكانوا يعثرون احيانا حتى في الصحف المرعوبة أو المقموعة على سطور هنا وسطور هناك تضيء طريقهم الصعب ! ثم يقول بعض هؤلاء المؤرخين دون مجاملة بأنهم لا يقيمون وزناً لمذكرات كتبها بعض الساسة وهم في احضان السلطة او حين كانوا يحومون للعودة اليها!

وبعد.. لعل ما حفزني اليوم للحديث عن التاريخ والصحافة هو كتاب ((المواجهة بالكتابة)) للاستاذ طاهر العدوان الذي عمل رئيساً لتحرير ((العرب اليوم)) لسنوات عديدة من ثم وزيراً للاعلام لفترة وجيزة فلقد وجدت فيه ما يمكن ان يشكل مصدراً صحفياً رصيناً للباحث الذي ينوي أن يؤرخ للعقدين الماضيين من تاريخ الاردن ففيه صدق الصحفي الواثق من نفسه الذي لم يُبْدِ أي ندم على ما كتب ضد الخصخصة والفساد والقوانين المقيدة لحرية التعبير لا بل عاد وأكده بلا مواربة.