كل عام وأنتم وهذا البلد الطيب بخير وأمن وسلام، والتهنئة النابعة من القلب فيها من الدعاء والرجاء إلى الله العلي القدير ما هو أعمق بكثير من التبريك بحلول الشهر الفضيل، فنحن بأمس الحاجة إلى طلب الرعاية واللطف والستر من الله العلي القدير، الذي قال في محكم التنزيل «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون».

يأتي الشهر الفضيل وبلدنا يمر في ظروف حساسة جداً، وأوضاع اقتصادية صعبة، ولا شك أنه يتعرض لضغوط أشار إليها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين بوضوح مؤخراً، ومعظمها يتعلق بأزمات المنطقة، وخطة الرئيس ترمب في الشرق الاوسط، وصفقة القرن ومصير القدس ومقدساتها، وجميعها تحديات تمس الأردن أكثر من غيره في النطاق العربي.

ويواجه بلدنا الحبيب تحديات فرضتها عليه المتغيرات الإقليمية، والمناخ العالمي العام «الفريد والمتوتر» فهل من وصف أدق وأوضح من هذا الوصف لطبيعة ومستوى التحديات التي تواجهنا، أمام هذه الفوضى من التوقعات، في غياب الحد الأدنى من امكانية الاعتماد على عمق قومي أو دولي يمنحنا القوة الكافية للحفاظ على مصالح الأردن وثباته؟

لكن جلالة الملك قد حدد في المقابل عناصر القوة التي يمكننا الاستناد إليها لتجاوز تلك التحديات، وفي الصدارة منها همة الشعب الأردني وإحساسه العالي بالمسؤولية الوطنية الحقة، وكفاءة مؤسساته، وفي مقدمتها قواتنا المسلحة – الجيش العربي، ودائرة المخابرات العامة والأجهزة الأمنية الأخرى، إلى جانب تماسكنا وتكاتفنا وتعاضدنا جميعاً، ووعي شعبنا لكل التحديات والمصاعب.

ساحتنا الوطنية مزدحمة جدا بكلام كثير، والممارسات التي يمس بعضها بالمرتكزات التي ينص عليها الدستور خلقت أجواء من التوتر والقلق، وانساق البعض إلى التشكيك بالشرعية العامة، والخلط بين انتقاد المؤسسات وبين انتقاد بعض العاملين فيها على مختلف مستويات المسؤولية الإدارية، وهناك من حاول إظهار الدولة كما لو أنها عاجزة عن إدارة شؤونها العامة، وليس بإمكانها مواجهة الضغوط والتحديات!

هناك من يحذر من انتهاز شهر رمضان الكريم لرفع وتيرة التصعيد والاحتجاج على سياسات الحكومة، ولا أحد ينكر حق المواطن في التعبير عن مطالبه المشروعة في الحياة الكريمة فذلك أحد مرتكزات الدستور، ولكننا مطالبون بالتمييز بين الخيط الأبيض والخيط الأسود، وبين ما يمكن أن نصبر عليه، وبين ما لا يصبر عليه الضاغطون علينا، والطامعون في أمننا واستقرارنا، والمستهدفون عزيمتنا في التصدي لتحديات غير خافية عنا جميعاً.

إذا كان شهر رمضان شهر التقى – وهو كذلك – فلنتق الله في بلدنا وفي أنفسنا، وفي ذلك ما يرضي الله عز وجل، من عباد له، قدر لهم أن يكونوا من أهل الأردن، أهل الرباط والجهاد إلى يوم الدين، مرة أخرى، رمضان كريم، وكل عام وأنتم بخير.