لأن الموسم المطريّ بدأ باكراً وطيباً وغزيراً، ولم تنقطع خيوط السماء منذ منتصف تشرين أول الا قليلاً، فقد تشجّع أبو يحيى للعودة إلى جذوره من جديد وزراعة أرض الوالد المتروكة بوراً منذ وفاة الأخير..نادى أشقاءه من ورثة المرحوم واقترح عليهم زراعة الأرض المشتركة بالقمح هذا العام كون الموسم مبشراً بالخير منذ بدايته، فاستحسن الجميع الفكرة وتحمسّوا لها..وعند التفاصيل كان الاقتراح أن تتوزّع التكاليف بالتساوي وتتوزّع الغلة بالتساوي أيضاً..احتج أحدهم «كيف بالتساوي»؟؟ أنا إلي بالمارس (السهم) الشرقي بس ما إلي بالمارس الغربي؟ والمارس الغربي أرضه أحسن من المارس الشرقي..رد الثاني بضرورة أن تختلف نسبة تحمّل التكاليف بين «المارسين» الشرقي والغربي أقرب للعدالة..تدخّل الثالث أنه من الضروري أن يعرف كلّ منا حصّته وجغرافيتها ليدفع تكاليفها بشكل منفصل..في هذه الأثناء كان يدب الرعد في السماء وتنهمر الأمطار وهم في خلاف حول كيفية التقسيم..تطورّ الخلاف إلى شجار بالأيدي وضرب «المكتات» وعضّ شحمات الأذن والصفع والركل بالأرجل..إلى أن فزع الجيران على صوت المشاجرة وقاموا بالتحجيز بينهم وفكّ الاشتباك..خرج المجتمعون من بيت أبي يحيى على شقاق واختلاف وقطيعة أسوأ من ذي قبل..استمر الموسم المطري يهطل على الأرض البور دون انقطاع، واستمر والخلاف بين الأشقاء يجفف القلوب ويباعد بينها، أحد منهم لم يتنازل لصالح الآخر، والآخر أعلنها خصومة أبدية لا رجعة فيها..

بدأت الزروع تنبت وتخضر وتكسو صدور السهول اليانعة، والأمطار بقيت مواظبة على وظيفتها فكانت ترعى سنابل النوايا الصافية وترويها..أما من اختلفوا على التقسيم فكانت أرضهم عقيمة جرداء لا تسرّ الناظرين.. المشتغلون بإصلاح ذات البين لم يرضهم حال الأخوة المتخاصمين، فقرّروا المضي قدماً لرأب الصدع وإصلاح حال الأخوة ،في آذار توجّهوا إلى بيوت الأشقاء وقاربوا بين وجهات النظر، وفي لحظة رحمانية انعقد برعم الصلح على غصن المحاولة..ثم أزهر بمصالحة شاملة بين الأخوة المتقطاعين وتصافت القلوب تماماً..وتم طيّ الخلاف وعادت المياه إلى مجاريها، وعادوا للحديث عن الزراعة..لكن بعد أن ضاع الموسم...

ملاحظة: في العام التالي نشب نفس الخلاف..

ahmedalzoubi@hotmail.com