بصيرا - سهيل الشروش

كانت الغابات تكسو مساحات كبيرة في لواء بصيرا خلال خمسينيات القرن الماضي، بحسب شهود من كبار السن ومؤرخين وجغرافيين، لكنها ما لبثت أن اختفت بشكل كبير ولم يتبق من معظمها سوى الذكريات.

واكد الحاج محمد الرفوع (٩٤ عاما) أن الغابات كانت منتشرة في لواء بصيرا بشكل كبير حيث كانت ممتدة من منطقة العبر شمالا ولغاية شجرة الطيّار في منطقة القادسية جنوبا.

وأضافت التسعينية عايشة المسيعديين أنها كانت تشارك والدها في رعي الأغنام نهايات خمسينيات القرن الماضي وكانت تذكر جيدا غابات الرشادية والقعير والعبر و«الغابة» التي كانت تغطي جبال وسهول لواء بصيرا بكميات كبيرة وبأطوال شاهقة.

الرأي بحثت عن الأرقام الرسمية لكميات الأمطار المسجلة رسميا لدى وزارتي الزراعة والمياه لمحافظة الطفيلة منذ بداية سبعينيات القرن الماضي وذلك لبيان علاقة شح الأمطار باختفاء الغابات في اللواء.

وتبين ان تقارير وزارة الزراعة تؤكد على أن كمية الأمطار المسجلة لمحافظة الطفيلة في عام ١٩٧٢ بلغت ١٢٧،٤ملم، وفي عام ١٩٨٢ بلغت ٢٨٣،٥ ملم، وتشير الأرقام ذاتها أنه في عام ١٩٩٢ بلغت ١٥٩،٩ملم وفي عام ١٩٩٣ بلغت ٢٧٨ ملم.

وبحسب الأرقام الرسمية سالفة الذكر لكميات تهاطل الأمطار فإنها قريبة من بعضها ولا يوجد بينها تفاوت في الكميات مما يجعل سبب تقلص كميات الأمطار سببا مستبعدا لتقلص الغابات والمساحات الخضراء في لواء بصيرا.

الروائي والمؤرخ سليمان القوابعة أوضح في كتابه «الطفيلة.. موجز في جغرافيتها التاريخية» أن الطفيلة تقع ضمن دائرة مناخ البحر الابيض المتوسط حيث الشتاء المعتدل الماطر والصيف الحار الجاف، غير أن هذه الصفة العامة مضللة احيانا، فالامطار قد تمتنع وتتذبذب ويختلف توزيعها على أشهر الشتاء.

ويضيف نص الكتاب أن المنطقة كانت تمثل أرضا حرجية واسعة ففيها جميع عناصر الغطاء النباتي للاقليم المتوسطي من «لزّاب» وبلوط وخروب وأرز بيد أن عمليات انتاج الفحم والتحطيب غير المسؤول واستمرار موجات الجفاف أدت إلى انحسار المساحات الخضراء ولم يتبق منها سوى القليل في اودية ضانا والقادسية ولحظة.

ويضيف القوابعة في لقاء خاص مع $ أن سكان المنطقة كانوا يقطعون الأشجار ليستعملوا اخشابها في أدوات الحراثة وبناء البيوت وبناء المقابر والتي تراكمت عبر سنين طوال حتى وصل الحال بهذه الغابات إلى الاختفاء بشكل ملحوظ.

واكد رئيس جمعية بصيرا البيئية عبد ربه الرماضين أن لواء بصيرا كان يمتاز في فترة خمسينيات القرن الماضي بغطاء نباتي شاسع ومساحات خضراء منتشرة على امتدادات جغرافية كبيرة ناهيك عن الغابات التي كانت تمتد بشكل ملحوظ عبر مناطق اللواء المختلفة.

وأضاف الرماضين أن عمليات التحطيب من أجل التدفئة وبناء المنازل هو السبب الرئيس وراء تقلص مساحات الغابات في لواء بصيرا وهذا ما تذكره الجمعية في لقاءاتها ومشاركاتها البيئية حول خطر تحطيب الغابات بشكل غير مسؤول وما يسببه ذلك في تقليص حجم الغابات.

وأوضحت استاذة علم الجغرافيا في وزارة التربية والتعليم امال السعودي أن منطقة بلاد الشام شهدت تغيرات مناخية خلال العقود الخمسة الأخيرة، رافقها تذبذب في توزيع كميات الأمطار، لكنها ليست السبب وراء اختفاء الغابات بلواء بصيرا ودليل ذلك أن التغير المناخي في الفترة ذاتها عاشته محافظات الشمال، لكن غاباتها ما زالت حاضرة، ومساحاتها الخضراء ما زالت باقية.

وتجتمع الأرقام وآراء الخبراء والجهات المعنية بالبيئة وعلم الجغرافيا على أن الاعتداء البشري هو أهم أسباب اختفاء الغابات في لواء بصيرا، مرتبطة دعواتها بالحفاظ على ما تبقى من هذه الثروة الطبيعية.