كتب - حاتم العبادي

ما هي المضامين المستنبطة من رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني التي بعث بها الى مدير المخابرات العامة الجديد اللواء أحمد حسني؟.

حالة المكاشفة والوضوح والشفافية، التي امتازت بها الرسالة الملكية، تقود الى أنه لا توجد مؤسسة محصنة ولا يوجد اشخاص محصنون من التجاوزات والمحاسبة، طالما ان الهدف الاستراتيجي تحقيق إصلاح وتنمية مستدامة تحسّن الواقع المعيشي للمواطن، والتي بمجملها تعزز الجبهة الداخلية وتجعلها قوية وعصية على الاختراق وقادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

كما أن لعنصر الوقت أهمية في الرسالة الملكية، والتي تأتي في ظل ظروف صعبة، ليس فقط محليا، إنما أيضا اقليميا ودوليا، إذ ان جلالة الملك، يؤكد أهمية توفير البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية القادرة، ليس فقط على رص الصفوف، إنما خلق حالة تلاحم وتشبيك وطني متماسك ومتنوع لا يمكن لأي حاقد أو فاسد إيجاد ثغرة، قد يتسلل منها للتشكيك او الانتقاص من أهمية المنجز، مستغلا التحديات، سواء الداخلية او الخارجية، للتغريد خارج الصف الوطني، من خلال استغلال هفوات فردية للتعميم.

رسالة الملك إلى مدير المخابرات العامة، تؤكد، بشكل جلي وواضح، مدى متابعة الملك، وبشكل شخصي ومباشر لكل ما هو مرتبط بالمصالح الوطنية، كما تدلل، على أن هنالك تركيزا ملكيا دائما ومتواصلا بموضوع الاصلاح وداعما قويا للمضي الى الامام بخطى ثابتة وقوية، ما يتطلب الانطلاق بروح ايجابية نحو المستقبل، بعيدا عن الانهزامية والانعزال بل من خلال الانخراط بمعترك الحياة اليومية كل في مجاله.

وتحمل الرسالة الملكية مضامين ومحاور تكمل بعضها بعضا، وأن اي خلل في أي منها سيكون له صدى او تأثير سلبي في جانب من جوانب عملية الاصلاح بكل تفاصيلها، وهي مسألة ذات أولوية ملكية إلى جانب أولوية الدفع باتجاه تحقيق النمو الاقتصادي، الذي تنعكس اثاره الايجابية على المواطنين ويحسّن مستوى معيشتهم.

الرسالة الملكية حددت الركائز الاساسية، التي يجب ان ينطلق بموجبها العمل وتحقيق الاصلاح، تتمثل في تعزيز دولة القانون والمؤسسات، وان يكون القانون هو الحكم، بما تجسده هذه الركيزة من احترام للمواطنة، وفي الوقت ذاته تحفظ وتضمن هيبة الدولة.

الرسالة الملكية، لا يمكن التعاطي معها، على سبيل التخصيص بل وفق منظور شامل، كرسه جلالة الملك في جميع المؤسسات الوطنية، لاجل تدعيم مرتكزات الدولة الحديثة ودعم الاقتصاد الوطني لتوفير متطلبات العيش الكريم للاردنيين، وتجاوز التحديات الداخلية والخارجية، ما يعني ان دلائل الرسالة موجهة للجميع، في تثمين وتعظيم المنجز بالعمل والعطاء، مقابل انه لا حصانة لفاسد.

فالتغيير يمثل متلازمة لتحصين الجبهة الداخلية، عبر تعزيز الثقة بالمؤسسات ودورها في حماية ثوابت الوطن، الذي يتوجب معه محاربة و «تجفيف منابع الفساد»، والذي يجسد حالة أردنية عامة بامتياز، فمحاربة الفساد شعار الاردنيين في كل مراحلهم ومستوياتهم.

غير ان الثقة الشعبية في اجتراح الحلول التي تجتث الفساد، كانت على مستوى المطالبة بتدخل ملكي مرارا وتكرارا، والذي يأتي في وقته المناسب، وهذا لقناعة الاردنيين بأن الملك مرتبط بالمصالح الوطنية ارتباطا وثيقا، وان جلالته هو الداعم للاصلاح والضامن لمخرجاته، كما أن جلالته هو الضامن لدولة سيادة القانون.

إذ إن الرؤية الملكية لطالما أكدت ضرورة أن ينعكس الاصلاح في مخرجاته على عملية التنمية التي يجب أن تكون مخرجاتها موزعة بعدالة، وتضمن نموا اقتصاديا ينعكس على المستوى المعيشي للمواطن.

ماذا بعد؟ فالرسالة الملكية، تزامنت مع الاحتفال بيوم العمال، وتكريم جلالته للعديد منهم، ما يعكس الرؤية الملكية في حماية دولة الانتاج من عناصر الضعف والاختلال، وابرزها الفساد والمحسوبية والواسطة والاخلال بسيادة القانون، ما يعني ان الرسالة في مضامينها موجهة للجميع في مختلف مواقع المسؤولية، وان عناصر الضعف والاختلال، أينما وجدت فإنها تؤثر في منظومة العمل المتكاملة مهما كان حجم المسؤولية صغير او كبير.

وعلى مستوى حكومي، لطالما بذلت الحكومات جهودا لتعزيز دولة القانون وتكريس قيم النزاهة والشفافية، ومنها حكومة الرزاز التي أعلنت اولويات عملها للفترة من (2019-2020)، من خلال إقرار حزمة تشريعات، كقانون معدل للكسب غير المشروع بهدف توسيع نطاق الفئات الخاضعة لأحكامه، وإقرار قانون معدل لقانون النزاهة ومكافحة الفساد لتعزيز استقلالية الهيئة ودورها الرقابي والاستباقي في الحفاظ على المال العام. حيث نتج عن إنفاذ الحكومة للتشريعات تحويل (81) قضية من هيئة النزاهة ومكافحة الفساد إلى القضاء خلال الربع الاول من عام 2019.

إلا أن تحقيق ذلك، يتطلب توفير عوامل النجاح لها، التي يجب ان تتجسد في إجراءات وقائية صارمة تستند الى سيادة القانون، اولا، وتحقيق ضمانة العدالة والشفافية والمساواة، وتعزيز المساءلة، بما يضمن معالجة الاختلال وتحقيق الاصلاح، الذي طالما كان محل اهتمام جلالة الملك، باعتبار جلالته داعما قويا، لإدراكه بأن الاصلاح هو الضمانة للسير نحو الامام بخطى ثابتة وقوية.

فدولة القانون والانتاج والتكافل، يجب حمايتها من عدو متربص بها، يتمثل في الفساد وتجاوز القانون، لان هذا العدو يسحب الثقة الشعبية من المؤسسات على كافة الصعد، في وقت نحن بأمس الحاجة لجبهة وطنية قوية ومحصنة.

الرسالة الملكية، أعادت الجميع الى مربع «المصلحة الوطنية العليا» بعيدا عن المصالح الضيقة، التي تستغلها قلة قليلة بتجاوزات على القانون، وان التأكيدات والشفافية، التي تحدث بها الملك كانت بمثابة «وصفة» يجب على الجميع التعامل معها لمنع إنتشار «العدوى» او تفاقمها.