كتب - محرر الشؤون المحلية



ليست رسالة عادية تلك التي بعثها جلالة الملك عبد الله الثاني إلى مدير المخابرات العامة اللواء أحمد حسني، هي رسالة عميقة وبالغة الدلالات، وفيها إشارات مهمة وكاشفة عن متابعة ملكية دقيقة لكل التفاصيل، الكبيرة والصغيرة، ولكل الشؤون الوطنية.

تعكس الرسالة مقدارا عاليا من الاهتمام بعملية الإصلاح، وتركيزا كبيرا على قيمة وأهمية دولة القانون والمؤسسات، وكذلك ضرورة تحقيق النمو الاقتصادي الذي تنعكس آثاره مباشرة على المواطنين وتحسن من مستوى معيشتهم.

تلك النقاط المركزية في الرسالة تمثل هاجسا ملكيا، تم التعبير عنه بجلاء ووضوح، فالملك يتابع شخصيا وبصورة دقيقة وعميقة كل أمر مرتبط بالمصالح الوطنية، ويريد إصلاحا شاملا وجوهريا في كل الجوانب السياسية والاقتصادية.

وبقدر ما تعطي الرسالة أهمية لمتلازمة المسؤولية والمساءلة، فهي تعطي ذات الأهمية للنمو الاقتصادي، لكن ليس أي نمو يريده الملك، فهو يريد نموا اقتصاديا ينعكس أثرا إيجابيا على معيشة الناس وقدرتهم على تلبية متطلبات حياتهم.

هذه المسألة تؤرق الملك وتجعله دائم السعي إلى بناء اقتصادي متنامٍ يغير من واقع معيشة الناس خصوصا، وواقع الدولة عموما، فأي نمو لا يلمسه المواطن يبقى نموا محدودا مهما كبرت أرقامه ونسبه.

مع كل هذه الإرهاصات الاقتصادية والسياسية الداخلية التي تتأثر، وبالعمق، بحيثيات التطورات الإقليمية الصعبة والمعقدة، فالرهان الملكي، كان ويستمر، على وعي الأردنيين وقدرتهم على مجابهة كل تحد والصمود في وجه الضغوط بأشكالها المختلفة.

هذا الوعي الشعبي، الذي هو محل الرهان الملكي، هو العمق الاستراتيجي للمؤسسات الأمنية والعسكرية المناط بها حماية الوطن من الأخطار، ومثل ما للملك ثقة بالأردنيين فهو أيضا يثق ثقة منقطعة النظير بالأجهزة الأمنية والعسكرية، بما فيها جهاز المخابرات العامة التي تسلم مديرها الرسالة الملكية.

الرسالة الملكية تقرأ من خلال سطورها وما بين سطورها، تعكس الثقة بالمؤسسات الوطنية وقدرتها على معالجة أي خلل يعتريها، وأمكاناتها البشرية والإدارية القادرة على المعالجة، والمتمكنة من مواصلة مسار التحديث والتطوير للارتقاء بالأداء، النوعي والكمي، وصولا إلى النموذج الذي يشار له بالبنان داخليا وخارجيا.

اليوم، الوطن أحوج ما يكون إلى قوة في بناء مؤسساته ومواقف مواطنيه لمجابهة المخاطر التي يفرضه واقعي إقليمي ودولي صعب، مع ما تحتاجه هذه القوة وتلك المواقف من عزيمة وثبات، يريدهما جلالة الملك أساس وجوهر تلك المجابهة.

إن الإشارات التي وردت في رسالة الملك لمدير المخابرات العامة، ومن قبل النظرة الشمولية التي وردت في خطابات ولقاءات جلالته في غير مناسبة، تشكل الإطار الناظم لبناء وطني، مؤسسي وشعبي، ينقل الأردن سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، إلى المستوى الذي يأمله جلالة الملك ويعمل للوصول إليه.