د. فيصل غرايبة



بعد أن استمع رئيس الوزراء الراحل وصفي التل إلى محاضرة عن بناء المناهج التعليمية ألقاها د.إسحق فرحان مدير إدارة المناهج بوزارة التربية والتعليم آنذاك، نادى وصفي شقيقه د.سعيد التل وقال له: «إسحق هذا شخص مبدع وذكي، فلماذا لم تعرّفني عليه من قبل؟». وبعد نقاش ثري بين الاثنين سأله وصفي التل: «يا دكتور إسحق، هل عندك مانع في أن تكون وزيراً لوزارتَي التربية والتعليم والأوقاف معاً؟ فأنت لهما وقادر على إدارتهما مجتمعتين»، فأجاب إسحق بالقبول، وبذا أصبح د.إسحق وزيراً لكلتيهما في نهاية شهر تشرين الأول من عام 1970.

كان إسحق فرحان يؤمن بالقول المأثور: «مَن تساوى يوماه فهو مغبون»، أي أن أعمال الإنسان الخيّرة اليوم يجب أن تزيد على أعماله التي قام بها أمس، كما كان يؤمن بقول مأثور مفاده: «لا طلعت عليّ شمسُ يومٍ لم أزدد فيه علماً». ومن هذين القولين كان يتخذ قراراته، لأنها تحمل التغيير، وتجعل الغد خيراً من اليوم.

هكذا أعطى فاروق بدران انطباعه عن صديقه وزميله وصهره، الذي خصه بالكتاب الذي نحن بصدده، والذي صدر عن دار جمعية الدراسات والبحوث الإسلامية في عمّان (2019) بعنوان «إسحق فرحان.. العالم والمعلم».

يقع الكتاب في 240 صفحة من القطع المتوسط، ويتوزع على ثمانية فصول، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة وملاحق وثبت بالمراجع. وكما أورد المؤلف، فقد عاش مع إسحق فرحان 70 عاما، بدأت منذ قدومه من بلدته عين كارم/ غربي القدس عام 1948 إلى السلط حتى وفاته عام 2018، فما رأى منه إلا الوجه البشوش والعقل الواعي واليد الكريمة، ويذكر ذلك عنه كل مَن تعامل معه، على مختلف الصعد والظروف. وكان كلما يرى فيه ابتسامته المتفائلة تذكّر الحديث الذي كان يردده: «صِلْ مَن قَطعك واعْفُ عمّن ظلمك»، وكان إسحق فرحان دائماً يقول: «ادفع بالتي هي أحسن»، ويقابل العدوان بالتغاضي، والخذلان بإيجاد العذر.

ويمضي المؤلف قائلاً عن إسحق إن إيمانه أعطاه هدوءاً في النفس، وتوازناً في الفكر، وراحة في الضمير، واطمئناناً في القلب، وثقة بالله واستسلاماً لأمره، ما جعله قادراً على تقبل الظروف المتغيرة، والمثابرة من جديد. ويشير إلى قول والده عندما رآه منكبّاً على القراءة: «والله لأعلّمنك إلى أعلى الدرجات حتى لو كان ذلك في لندن، وحتى لو بعت كل ما أملك من عقار». لقد كان إسحق دائم الحيوية في المدرسة، وكان مبدعاً في الخطابة، وعكف على كتاب «وحي القلم» لمصطفى صادق الرافعي، وكتاب «أيها الولد» للإمام أبي حامد الغزالي، وكتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» لسيد قطب. كما كان حافظاً للشعر العربي، وفاز بجائزة «حسن الإلقاء للشعر العربي» في قصيدة الشاعر المصري محمود غنيم ومطلعها:

مالي وللنجم يرعاني وأرعاهُ

أمسى كلانا يعافُ الغمضَ جفناهُ

وفي اليوم المحدد في شهر تموز عام 1953 بدأ المذيع بقراءة أسماء الناجحين بامتحان الدراسة الثانوية (المترك)، وكان إسحق فرحان أحد العشرة الأوائل. ولما ابتُعث إلى الجامعة الأميركية في بيروت حصل على شهادة البكالوريوس في الكيمياء بامتياز عام 1957، وعلى شهادة الماجستير في الكيمياء الفيزيائية من الجامعة نفسها بامتياز عام 1958، ثم شهادة الماجستير في إعداد معلمي العلوم من جامعة كولومبيا بنيويورك عام 1963.

عُيّن إسحق في مدرسة السلط الثانوية للبنين معلماً للكيمياء، وقال له مدير المدرسة «عادل سقف الحيط» حينها: «لقد جئت يا أستاذ إسحق لتعيد لمبحث الكيمياء حيويته بعد الانقطاع الناتج عن عدم وجود متخصص بالكيمياء».

غادر إسحق فرحان الأردن إلى أميركا في 20 آب 1961، ، وكان لا بد من أن تنتهي الدراسة في المدة المحددة، فوصل الليل بالنهار، واقتنى آلة طابعة وكانت زوجته «عائدة بدران» تقوم بترقيم التقارير والأبحاث، وكان آخر ما طُبع على هذه الآلة الطابعة رسالة الدكتوراه التي قامت (أم أحمد) بطباعتها وحدها. وفي الأثناء عُهد إليه تدريس مادة الكيمياء لطلبة السنوات الأولى في الجامعة، فقام بهذه المهمة بنجاح، وجمع بين التعلم والتعليم، كما كان يقوم بتدريس زملائه الطلبة الأردنيين الجدد ما يصعب عليهم من المواد المقررة. وعاد إسحق إلى الأردن ليستأنف عطاءه التربوي، إذ وجد الطريق أمامه ممهداً في مسارين أساسيين في المجال التربوي معدّاً نفسه لهما، الأول: إعداد المعلمين وتأهليهم. والثاني: وضع المناهج والكتب المدرسية. موضحاً أمام فريقه كيفية وضع المناهج بحسب الأسس الفلسفية والاجتماعية والنفسية والمعرفية المحددة، وواضعاً أمامهم نسقاً معيناً لوضع المناهج يقوم على التساؤلات التالية: ما مهنة الطلاب في المستقبل؟ وما العادات الحسنة التي سوف نراعيها ضمن حق المواطن؟ وهل المواطنة وحدها هي الأصل في التعليم؟ وهل يراعي المسؤولون حقوق الإنسان في التعلم والتعليم والعمل والتنقل؟

التزم هذا الخبير التربوي بفلسفة التربية والتعليم التي تؤكد الانتماء الوطني والقومي والهوية الإسلامية، وكان سياق التعليم والدولة يذهب بهذا الاتجاه، وكان المنصب عنده تكليفاً لا تشريفاً -كما يبين المؤلف- جسّد حبه للعلم، وبنظره الثاقب للأمور وبصيرته، صبّ همّه في تحسين التربية والتعليم وتوحيد المناهج المدرسية، وكان بعض المعلمين غير مؤهل تأهيلاً جيداً لعملية التعليم فعمل على تأهيلهم أثناء الخدمة.

وعلى صعيد الأوقاف والتوجيه الديني، فقد أحدث إسحق فرحان مديريات الأوقاف في محافظات المملكة، وصقل النمو الوظيفي والعلمي لموظفي الوزارة، وعمل على تحديد دور الوزارة في أداء مناسك الحج، وعلى استثمار أموال الأيتام، وعمل على ضم كلية الشريعة إلى الجامعة الأردنية، وعلى تبرع وزارة الأوقاف ببناء مبنى لهذه الكلية داخل الحرم الجامعي، كما قام بتوحيد الأذان في مساجد المملكة، وعمل على أن يُذاع على الهواء مباشرة.

وعندما عهد اليه الملك الراحل الحسين بن طلال إدارة الجامعة الأردنية لمدة عامين دراسيين، عمل -وبإدراك أهمية العمل الأكاديمي وربطه بالتغير المجتمعي وبأهمية المجتمع المدني- على إنجاز مشروعات من أبرزها: إحياء قرار الدراسة في كلية الهندسة، وإنشاء الإسكان الوظيفي، وإنشاء سكن للممرضات، وإقرار مبنى مسجد الجامعة المتميز، وابتعاث العديد من الخريجين المتفوقين للحصول على درجة الدكتوراه، وإحكام سور الجامعة، وتوثيق مطبوعات الجامعة.

ويسرد المؤلف كثيراً عن ميول إسحق فرحان وسلوكه واتجاهه، فيقول عنه إنه كان يميل إلى النمط الفكري في العمل السياسي، ولا يمارس الدوران والالتفاف، واضحاً في سلوكه السياسي، ماهراً في إدارة الخلاف والتنوع في المؤسسات السياسية، يركز على الإنجاز، بعيد النظر، يحترم الرأي العام، ولكنه ليس شعبوياً.. كما كان واقعياً في إطار من المبادئ الواسعة، لا يتنازل عن أخلاقياته رغم تسامحه ومرونته، يبحث عن المكتسبات الحقيقية عن إيمان بسنّة التدرج، وضرورة مراكمة الإنجاز، والحفاظ على المكتسبات، وتجنب الخسائر، وتقليل الكلف، واغتنام الفرص، من خلال فهم عميق لمعادلات الواقع وصياغة الممكن بحكمة ودقة.

ويلفت المؤلف إلى أن إسحق فرحان كان ديمقراطياً شورياً حقيقياً، وباقتدار لافت على الاستيعاب، رغم تنوع الطيف الفكري والسياسي وتعدد الاتجاهات واختلاف المواقف، وكم أكسب حضورُه تلك الكياناتِ قيمة وهيبة، فتزداد في النفس محبته واحترامه، كما يتسع التعلم منه والانتفاع من خبراته.

يعدّ إسحق فرحان من رموز الوسطية الأردنية الهاشمية، وساهم في ترسيخ هذا الاتجاه وتثبيته، ويشهد له بذلك كل من عمل معه ورافقه خلال مسيرته الخلاقة أمثال المرحومين بشير الصباغ وذوقان الهنداوي وحكمت الساكت من وزراء التربية المتعاقبين. أما القيادي في الحركة الإسلامية الذي رحل عن دنيانا مؤخراً، د.عبد اللطيف عربيات، فقال عنه إنه من رموز البلد المخلصين الذين قدموا كل ما لديهم من فكر من أجل رفعة بناء الوطن، وإنه التزم مع رفاقه بفلسفة التربية والتعليم التي تؤكد الانتماء الوطني والقومي والهوية الإسلامية، وكان سياق التعليم والدولة يذهب بهذا الاتجاه، وذلك في الفترة التي شهدت انطلاقة مرحلة التحول الديمقراطي وإقبال السياسيين على الترشح للانتخابات النيابية.

لقد أكد إسحق فرحان للجيل أن فرص الإصلاح والعمل بكفاءة وأمانة ما تزال ممكنة، وهو الذي كان يردد في جميع المناسبات أن من له إرادة له القوة، ومتى توافرت الإرادة سهلت الطريق، فالإرادة نصف الطريق. وهو الذي أطلق الدعوة إلى توسيع رقعة التعليم في المناطق النائية، وبأن تُفتح مدرسة لكل تجمع سكاني فيه 15 طالباً. وهو الذي ابتكر نظام علاوة الندرة التي أعطيت للمعلمين في المباحث النادرة، مما حدّ من تسربهم إلى الخارج.