أحمد الشيخاوي



«الجسد

هو ما يبقى

من كُلّ ما يؤسّسه الشعراء

من كلام».

يمثّل الجسد، بمفهوم ميتا-لغوي، الخيط الناظم للّعبة الكلامية في منجز الشاعرة المغربية نادية القاسمي. ويُضاعف من رمزيته، كون استحضاره يتمّ على نحوٍ فلسفي، تحاول الذاتُ الشاعرة باعتماده، ترجمةَ النبض المجتمعي إزاء ظاهرة فجائعية، ما تنفكّ ترخي بكامل ثقلها على الثقافة الحياتية المتوارثة بتعاقب الأجيال.

تلكم ظاهرة «الهجرة السرية» وغير القانونية، أو ما يعرف في القاموس المغربي الدّارج بمفردة «لحريك»، وكيف أنها -أي هذه المعضلة- استحوذت على العقول والقلوب وأضحت هاجساً ثقيلاً، منذ فجر الاستقلال ولحدّ الآن، تلك المرحلة التي عُرفت بما يمكن تسميته «عهد التصالح» وبسط صفحات بيضاء للتعاون وتبادل المصالح، بين دول أوروبا ومستعمراتها المغاربية والإفريقية «المستقلّة»، بشكل خاص، ولو أن حاجة القارة العجوز وافتقارها لليد العاملة والأدمغة العربية، فرضت أسلوباً انتقائياً مدروساً آنذاك، وتطبّع بجوانب البراءة وإنصاف المهاجرين مادياً ومعنوياً، تبعاً لسياسة استقطاب ممنهجة ومقصودة، خلافاً للحاصل في ما بعد والذي أخذت معه هذه الظاهرة توجّهاً جحيمياً وإجرامياً ملأ المنافي الطوعية انتهازية وعنصرية واضطهاداً، وإن بسبل خارج دوائر القانون، وغاية في السرية المتعارف عليها، وغطّى بلاد المهجر بجثث الغرقى ومشاكل الناجين.

هذا الجسد المقدّس، إبداعياً، ههنا، المؤطَّر برؤى موسوعية لشاعرة آثرت الانتماء لنصوص الهجرة المحرّمة، بسلبياتها وحالاتها المرَضية، بما يُجبر الكائن المغاربي على عقّ المنبت وعصيان التراب، جراء جملة من الضغوط النفسية والاقتصادية وغيرها من الخلفيات الوجودية القاهرة، المتسببة بخفوت الحس الهويّاتي إجمالاً.

هذه المغادرة التي تُمليها -في الغالب- ذاكرة الجلْد، تتقنّع باللاشرعية ضدّ واقع الانكسار والقمع والحرمان، مزيِّنةً مقامرةَ ركوب البحر، تأمُّماً لضفّة الوهم، ولأجل حياة الرغد والفضيلة والكرامة والعدالة والحريات.

وهي مناقب تغلّفها أمنيات كاذبة مؤجلة، لا تعشّش في سوى المخيلات القاصرة والسّقيمة، من لدن جيل أعمته (فوبيا) البحث عن بديل، جيل قلق متخبّط في أسئلته، يتلاعب به ضياعه، وفي لا شعوره يسكن ضربٌ من الهلامية بشأن ما يتطلع إليه هناك، ما وراء قوارب الموت، ويغزوه من انطباعات عن الفردوس الموعود.

«سألتقط كلّ العظام

التي سبرها غور سباحة،

تلاعب

بأحلام الماء

أيها الفرح

تلبّس بي».

جيلٌ جانٍ ومجنيّ عليه في آن، مصيره أن يتعثّر بأبجديات ووصايا فلسفة الغروب، التي تغويه وتضلّله ولا تدع له خياراً أو إرادة، بحيث تجرّده من حسّ الانتماء، لتحقنه بمركبات نقص يحرّضه على الجنون والانتحار بهذه الشاكلة.

هذا النعت، على حدّ تعبير الشاعرة، «فلسفة الغروب» في عمق صلتها بمفهوم الخيانات المائية وهي ترفع الجسد فوق الروح، وتقلب المعادلة جملةً وتفصيلاً.

«ما الفائدة

من كومة الرّماد المعلّقة

بتابوت أمير أسطوري

إذا كنّا سنقيس العناقيد اليافعة

ببقايا الرّماد؟».

إنّ خطاب مكر الماء، ينأى عن المبالغة والمباشرة، ليغرق المتلقّي بدوالّ الاستعارة القادرة على نسج المرثاة في أقصى مستويات استنزاف المتن الجوهري، من حيث وضعه في حيز تاريخي معيّن، يتوسّل المراوحة في العبور النرجسي المخملي الخاطف، ما بين الخاص والعام، نزوعاً صوب ما هو إنساني انتهاءً.

«بين أصابعي

الأخطاء تعلن تمرّدها،

كقائمة طرائد

من وجهة برية

تنتهي

عند قنّاصي الأرواح».

فالخسائر البشرية واحدة ضمنياً، وإن تعددت الأسباب والألسن والعقائد والجغرافيات، سواء عند العرب أو عند غيرهم من العجم، ومهما تنوّعت أدوات الفتك بأيادي القناصة وتباينت أهدافهم. فضحايا التطرف والإرهاب، لا يختلفون كثيراً عن قرابين آفة الهجرة السرية في ما تحصده من أرواح يومياً.

«أغامر في الورد

ليورق بين يديك

وأتهشّم في مزهريته».

هو في الحقيقة سأم القصيدة وضجرها من هول المعضلة، تنسج ملامحَه ذاتٌ مثقلة بهواجس جيل باتت تستعبده الخياناتُ المائية.

قصائد نادية القاسمي تترع من كل ملمح ومعنى يغري بتقديس الحياة، قسطاً يُدغدغ بالوهم الأذهان، ويؤكد الهيمنة على جيل بأكمله، يدفعه إلى أفق فرص النجاة ويعزز لديه ثقافة الانتصار على الموت، ويتيح له بديل تلمُّظ معسول الولادة الثانية، على حساب فناء القصيدة وتبدّدها وتحوُّلها إلى رماد.

يفسّر هذا المعنى، حجم الهدية التي تخصّ بها الذات المبدعة، مخاطبَها، كجيل اغتال أحلامَه خيارُ الهجرة بوصفه إذعاناً لمادية العالم المتحضّر، وعاراً تتلطّخ له إنسانية المغاربي بدرجة أولى، قبيل إسدال الستار عن آخر فصول المرثاة.

«لك من الضوء

ما يستحقّ الحياة».

من هنا نستشفّ قيمة المنجز الشعري لدى هذه الشاعرة، نظراً لتركيبيته وتفشّيه باتجاه العام ومشاتل التلبّس بمفردات الهوية الإنسانية، من خلال مجموعة «رياح بليلة» (دار التوحيدي بالرباط، 2015)، ثمّ مجموعة «متلبّسة بالتراب» (بيت الشعر في المغرب، 2019).

نلفي الشعرية في هذا المشروع المنذور لقضية الهجرة، كاستثناءٍ زاده نكهةً هذا الانثيالُ بصوت الأنثوي، ودبّجه بتصويرٍ فنّي جريء ومباغت، أقرب إلى الوشايات الأنيقة والربط الميتافيزيقي، ما بين الذاكرة وواقع الانكسار، على درجة عالية من الاحتماء بمعاني الحياة وألوان المنظومة القيمية، رغم تفشّي ثيمات هذه الشعرية في بعدَي الجلْد الجسدي والاغتراب الروحي، ذلك أنها كتابة واعية، استطاعت أن تبقي على الأمل في جيل متّهَم، متروك لمراياه الكاذبة، بدل الأخذ بيده والاستثمار فيه استثماراً صحيحاً يتحقق معه خلاص الكائن والحياة.

كتابة نادية القاسمي تصون الرّهان على جيل منهزم مهووس بـ«نعيم» الضفّة الأخرى.

شاعر وناقد مغربي