بعد احتجاجات شعبية استمرت نحو أربعة أشهر، وطالب فيها المحتجون بدايةً بتحسين أحوالهم المعيشية، قبل ارتفاع سقف مطالبهم إلى الإطاحة بالبشير ونظامه، أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية في الحادي عشر من أبريل الحالي بيانًا أعلنت خلاله عزل الرئيس عمر البشير، وتعطيل العمل بالدستور، وحل الحكومة والبرلمان، وتشكيل لجنة أمنية لإدارة البلاد، لفترة انتقالية لمدة عامين، يتم خلالها تهيئة البلاد للانتقال نحو نظام سياسي جديد. لكن في المقابل رفضت القوى الاحتجاجية وعمادها تجمع المهنيين البيان رفضًا قاطعًا، داعيةً الجماهير للاستمرار في الاعتصام الذي بدأ بالخرطوم في السادس من أبريل الحالي أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، حتى تستجيب اللجنة لمطالبهم.

ويمكن مبدئيًا استشراف سيناريوهين ينتظران مستقبل السودان كنتاج لتفاعل القوتين الجماهير من ناحية، والقوات المسلحة من ناحية أخرى، وكل سيناريو له موضوعيته ورجاحة تحققه.

السيناريو الأول: سيناريو الحكومة المدنية بعد انتقال سلمي للسلطة، وهو ما تطالب به قوى المعارضة، فقد ظلت هذه القوى، المكونة لما يٌسمى «إعلان الحرية والتغيير»، والتي يمثل تجمع المهنيين عنصرًا مهمًا فيها،على موقفها أن المجلس العسكري، حتى بعد أن آلت رئاسته إلى عبد الرحمن البرهان، لم يسر في اتجاه تلبية مطالب المحتجين، كما ينبغي، فالقوى الحزبية الموقعة على «إعلان الحرية والتغيير»، وهي تجمع المهنيين، وبعض الأحزاب السياسية، إضافة إلى بعض قوى وشخصيات المجتمع المدني، ترى ضرورة الشروع، في الحال، في تشكيل حكومة مدنية، وإنشاء مجلس سيادة مدني، على أن ينحصر دور الجيش في رعاية الفترة الانتقالية، وألا تٌسند إليه في التشكيل الوزاري الانتقالي سوى وزارة الدفاع، مع حصوله على ممثل واحد في مجلس السيادة الانتقالي. ونقطة القوة في هذا السيناريو، أنه ليس من المٌستبعد أن يدرك الجيش عمق الأزمة وخطورة مضاعفاتها، فيتم تسريع عملية تسليم السلطة، والإعداد لانتخابات قريبة وضمان نزاهتها من أجل تداول سلمي للسلطة. السيناريو الثاني: هو إفراغ الثورة من أهدافها، فوفقًا لهذا السيناريو، فإنه من الممكن النظر إلى اللجنة الأمنية بأنها آلية ابتكرها النظام للالتفاف على مطالب الشعب، وقمع الاحتجاجات، وإعادة إنتاج «نظام الإنقاذ»، وذلك على نحو مشابه لما حدث بالسودان في أكتوبر 1964، وأبريل 1985، عندما تم إعادة أنتاج نفس النظم التي أحتج الشعب ضدها، ولكن بوجوه جديدة.

خاصة أن البيان الخاص بعزل البشير، وآليات إدارة الفترة الانتقالية لم تسبقه أي مشاورات سياسية أو تنسيق مع قيادات التجمع أو الأحزاب السياسية قبل إصداره. وأن إدارة العملية الانتقالية أٌسندت إلى لجنة أمنية ذات صبغة سياسية، حيث تضم عناصر موالية تمامًا للنظام السابق من القوات المسلحة، والشرطة، وقوات الدعم السريع. وتبقى احتمالية حدوث هذا السيناريو قوية، إذا ما علمنا أن ما بين سني السودان المستقل الثلاثة والستين، دامت هيمنة الأنظمة العسكرية على السلطة فيه لاثنتين وخمسين سنة منها، الأمر الذي يؤكد الدور المتعاظم للجيش في تاريخ السودان المعاصر.

وختامًا، فانه بالرغم من ضبابية مرحلة «اليوم التالي» في السودان والتي لا يمكن إنكارها، فإن تمسك القوى الاحتجاجية، بالعمل من أجل السودان الدولة، والوطن، والشعب، وعدم الانجراف وراء المصالح الحزبية أو الإقليمية، هو ما يمثل الضمانة الحقيقية لوضع لبنات تحول ديمقراطي مٌستدام. وفي حالة تجاهل القوى السياسية الاستجابة لضرورة التوافق على مشتركات وطنية، والصبر على متطلبات التحول الديمقراطي، فإن تشتتها وتنافسها على المغانم الصغيرة سيقود إلى إعادة أنتاج» نظام الإنقاذ» الذي أسسته الحركة الإسلامية السودانية بانقلاب عسكري عام 1989، وقاده الرئيس المعزول عمر البشير لثلاثة عقود.