خالد قوقزة

تصوير : محمد القرالة

يأتي الربيع إلى حاراتنا المنسية فترتسم لوحات جميلة تزينها ريشة الباري باجمل الألوان، ففي كل.. حاكورة.. من حواكير أهل الحارات، ترى بديع صنع القدير، فالإقحوان بأصفره وأحمره وابيضه، غمر سطح كل الحواكير، وزهر الدراق والمشمش والبرقوق والكرز يتطاير هنا وهناك وتنبعث منه أطيب الروائح.

على جنبات طريق ترابية ترى الخُرفيش وقد طاب أُكُلُه، فهذا ابو فلاح يقطع بِشِبريته بعضا منها فيقشرها فيأكل منها ويعطي ابو عودة قائلا له: هاك خيوه أنبط تراها أزكى من الخس، ويقشّر بعضا آخر ويلُفّه بممحرمته قائلا: هظولا لام فلاح تراهن طريّات على سنونها. ونسوان الحارات خرجن مسويات الى حيث الخبيزة فيقطفن منها عشاء العيلة لتلك الليلة، وأُخريات يذهبن الى جانب البُصّة (النبع)، حيث الحُمّيض والنعنع البري لتأمين حشوة الفطاير في طابون الحجّة سعدى، وصبيان الحارات سرحوا في السهول القريبة يجمعون البابونج، وأجرية العصفورة وخبز الراعي والمرار وقِثّى ابو حمار، لبيعه للحج محمود والعطارين المتجولين، ورعيان القرية يرجعون مساء وفي جعبتهم الفطر ابو خاتم، واللوف والجعدة والعكّوب، فيكونون قد أمّنوا عشاء عائلات تقتنع بما وُجد.

يسرح صغار الحارات الى الحَرش حيث الأشجار الكثيفة باحثين عن العشوش، فهذا فلاح يقول لعودة:.. خابر عالشجرة هذيك عِش صُفّرَة فيه ثلاث بيضات، فيرد عودة:... وَلَك هاظ العش انا لقيته قبل أسبوع وكان أول بَني، دير بالك تِقحَفُه ترا بَقْحَف عيونك، والزعلطي مفلح يتعربش على شجرة بُطم ويقوم بِقَحُف خمس بيضات من عش إفسيسي ويشرُقهن أمام الجميع، وعوض يراقب قنبورة ويستدل على عشّها وبه أربع بيضات، ويقول لعودة وفلاح ديروا بالكوا هاظ راح نوخذه لما يصير صيصان.

في قرنة حاكورة ابو فلاح يوجد فرن الطابون، تجتمع فيه نسوان الحارة كل يوم من الصبح، كل واحدة جاية ومعها عجينها وجونتها وطبقها ووقدِتها، عيشة وعيده وتمام وجفالة ورحمة ينتظرن حتى تِهمد الوقدة ويقومن بالخبيز، وآخر واحدة تنهي الخبيز تقوم بتزبيل الطابون. وكان هذا الطابون وكأنه صالون سياسي يتباحثن فيه بأمور الحارة، وآخر اخبارها، واي خبر طازج كان يخرج من هذا الطابون ويشيع بسرعة النار بالهشيم.

ابو فلاح وابو عودة وبقية أهل الحارات قَنّبوا كروم الدوالي وبدأوا يجهزو انفسهم لحراث الكروم ما يسمى بحرثِة إثنى، لكنهم ينتظرون لما الأرض تُوفِر، ولما يصير النُوار حب ولما يَقسى طِلِق الدالية.

الراعي هويشان أفطم البهم وفصله عن الغنم مشان يوفّر حليب ليبيعه لابو عيسى التُكّنجي، وطلب من ابنه فتحي يسرَح مع البهم بعد ما يرجع من مدرسته.

........ ما أجملها من حارات لا ضرائب ولا كهرباء ولا فرق محروقات ولا تكنولوجيا. فكركوا مش أفضل من أيامنا المليئة بالتعقيدات والمنغصات..... نلقاكم بالصيف