معاريف - البروفيسور آريه الداد 30/4/2019



* فهم قراء «نيويورك تايمز» ما قصده رسام الكاريكاتير. محررو الصحيفة أنفسهم فهموا بأن هذه لاسامية فظة وبشعة. وفقط عندنا كان حكماء لم يروا المشكلة في رسم ترمب ونتنياهو

جاء اصطلاح «الفيل والمشكلة اليهودية» ليصف، بدعابة أو سخرية ذاتية، كيف اننا، نحن اليهود، نحاول ان نجد في كل موضوع النقطة اليهودية: هل كان اسرائيليون بين المصابين في العملية الرهيبة في سيريلانكا؟ واذا لم يكن اسرائيليون، فربما يهود؟ والهجرة الكثيفة للمسلمين الى اوروبا، هل هي جيدة لليهود أم سيئة لليهود؟

ثمة في هذا النهج عناصر من نمط سلوك طبيعي، يبحث في كل حدث أو مسيرة تأثيرهما علينا، وهذا التأثير يقرر مدى اهتمامنا بالموضوع. ولكن ثمة هنا اكثر من هذا ايضا: ميل يركز على الذات، الفردية أو العرقية، يرى فينا المركز. مثابة «القدس – الحبل السري للعالم»، وكل حدث يقدر وفقا لصلته بهذا المركز.

ان كراهية اسرائيل هي ظاهرة عتيقة جدا. فقد لوحق اليهود فقط بسبب كونهم يهودا منذ قبل الاف السنين. في مصر وفي فارس وفي الامبراطورية الهيلنستية وفي روما، في بلدان المسيحية والاسلام. وشهدنا قتلا جماعيا وتعذيبات وملاحقات وابعادات، تمييز ونبذ ومقاطعات وغيتوات. والامور معروفة حتى التعب. وعلى هذه الخلفية معروف، وفي الغالب مبرر، الميل لاتهام اللاسامية بكل شيء سيء يحدث لنا: ديغول فرض حظرا على اسرائيل في حرب الايام الستة ليس فقط بسبب المصالح التي كانت لفرنسا في العالم العربي، بل وايضا لانه وجد صعوبة في احتمال نصرنا الهائل في الحرب، ورأى في اليهود «شعبا فخورا ومسيطرا» ولكن ايضا: فرنسا منحتنا نقطتين فقط في الايروفزيون ليس لان اغنيتنا كانت سيئة، بل لانهم مجرد لاساميين.

وكان يهود لم ينجحوا في أن يفهموا لماذا يكرهنا الاغيار بهذا القدر – الى أن بدأوا يبحثون عن العيوب بأنفسهم. لعل اللاسامية تنبع من مزايا سيئة توجد في اليهود؟ لعل مليارات اللاساميين ليسوا مخطئين؟ هذا هو احد جذور الكراهية الذاتية اليهودية، اللاسامية الذاتية الشهيرة على مدى التاريخ، حين حول اليهود ديانتهم، معتقدهم وولاءهم وخانوا شعبهم وانجرفوا نحو اعدائنا واصبحوا اسوأ كارهي اسرائيل.

لعائلة اللاساميين ينتمي على ما يبدو ايضا اصحاب الصحيفة ومقررو الرأي في «نيويورك تايمز» التي نشرت كاريكاتيرا لاساميا بشعا يعرض فيه ترامب كيهودي أعمى يعتمر كيبا سوداء يقوده كلب ذو وجه نتنياهو ونجمة داود تتدلى على رقبته. بعد يومين، حين ثارت عاصفة، فهم محررو الصحيفة بانهم تجاوزوا الحدود فنشروا اعتذارا.

لقد فهم ملايين القراء بالضبط ما قصده رسام الكاريكاتير ومحرر الصفحة. وفهم محررو الصحيفة أنفسهم بان هذه لاسامية فظة وبشعة. وعندنا فقط كان هناك حكماء أذكياء او متذاكين مشوهين لم يفهموا ولم يروا في الكاريكاتير تعبيرا عن لاسامية صرفة.

هكذا مثلا، زئيف انجلماير، الذي كان رسام «يديعوت احرونوت»، واختار أن يكتب مقالا في «هآرتس» (التي تنشر «نيويورك تايمز» في البلاد) يشرح فيه بان هذا مجرد «كاريكاتير كلاشيه، باسلوب جميل وبالتأكيد ليس لاساميا. وهو يصف زعيمين، الاول يسير كأعمى في اعقاب الاخر. صورة لاذعة، مع نبرة شريرة، بالضبط ما ينبغي أن يكون في الكاريكاتير السياسي». ان عرض نتنياهو ككلب هو بشكل عام ثناء في نظر انجلماير، وكذا «نجمة داود على رقبة نتنياهو مبررة تماما، هناك احتمال معقول بانه اذا كان يتعين على نتنياهو أن يختار ما يعلقه على رقبته، لكان اختار بنفسه هذا الرمز».

فهل انجلماير لا يفهم او يتظاهر بانه لا يفهم ما الفرق بين انسان يصف نفسه يهوديا انطلاقا من الفخار ويختار أن يعلق على رقبته نجمة داود، وبين الشارة الصفراء مع كلمة jude التي اجبر اليهود على الصاقها على ملابسهم؟ فهل هو يتظاهر فقط كغبي أم انه يجبن امام موجة اللاسامية التي تجتاح العالم؟

ان ميلنا الذاتي للسخر من كل من يرى كل شيء من خلف نظارات «الفيل والمسألة اليهودية» يدفع البعض منا لان يكونوا عميانا تماما، حتى عندما يكون كل الموضوع يحيط بنا حقا. عدم رؤية اللاسامية حتى وهي مكشوفة، بينة الاسنان، سامة. مسح البصاق والقول انه مجرد مطر.

ان البحث عن «المشكلة اليهودية» في كل فيل هو على ما يبدو درس الاجيال، نتيجة التجربة المتراكمة لشعب ملاحق تعلم كيف يشخص علائم طفيفة وأولية للمشكلة المقتربة. ومن جهة اخرى وجدت وتوجد فيها ايضا حياة حتى من داخل التنكر للمرض، العمى تجاه اللاسامية التي تجتاح العالم، الجبن والانجراف في التيار العكر. بين هذا وذاك – من الافضل ان نكون فيلا يهوديا من أن نكون وحيد قرن لاسامي.