نظرة عليا - ميخائيل ميلشتاين 30/4/2019

لم تصل إسرائيل والسلطة الفلسطينية إلى نقطة اللاعودة. فحل وسط في مسألة الاموال المخصصة لعائلات (...) كفيل بأن يكون المفتاح للأزمة الحالية، بشكل يسمح بإعادة ضخ أموال المقاصة إلى الصندوق الفلسطيني

الفهم الاستراتيجي الإسرائيلي للحفاظ على الاستقرار والهدوء الأمني في مناطق يهودا والسامرة (الضفة الغربية) يعتمد منذ أكثر من عقد على تحسين دائم للوضع الاقتصادي ونسيج حياة السكان الفلسطينيين، الى جانب التعاون الامني الوثيق مع السلطة الفلسطينية. لقد رأى الكثيرون في اسرائيل في هذا النهج وسيلة لوجود «سلام اقتصادي»، أي ضمان استقرار أمني حتى بلا مفاوضات او تسوية سياسية، وفي ظل التمييز بين الحكومة الفلسطينية وبين اغلبية الجمهور في المنطقة. الى جانب ذلك، على مدى نحو عقد تحذر محافل مختلفة في اسرائيل من تغيير استراتيجي سلبي من المتوقع أن يحدث في الساحة الفلسطينية بشكل عام وفي الضفة الغربية بشكل خاص. في بؤرة الاخطار توجد سيناريوهات كابوس لانتفاضة ثالثة، موجات إرهاب وتفكك السلطة الفلسطينية. والحجة المركزية التي يقوم على أساسها هذا الاخطار كان ان الجمود السياسي بعيد السنين والابتعاد المتواصل للفلسطينيين عن هدف الدولة المستقلة من شأنها ان تشجع على التنازل عن مشروع الحكم الذاتي، وأخطر من ذلك – العودة الى طريق الكفاح العنيف. عمليا، رغم التحديات والصدمات الكثيرة، لم يتحقق هذا التغيير الاستراتيجي. فسواء في الحكم ام في الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية حافظوا على ضبط النفس وامتنعوا عن التصعيد حتى بعد مفترقات كان يفترض بها ظاهرا أن توجههم اليها، وعلى رأسها: ثلاثة معارك عسكرية شديدة في قطاع غزة، أزمة متواصلة في العلاقات مع اسرائيل، العملية القاسية في قرية دوما (تموز 2015)، موجة الارهاب التي نشأت منذ تشرين الاول 2015 (انتفاضة الافراد)، نقل السفارة الأميركية الى القدس (ايار 2018)، وكذا اضرابات السجناء وايام الذكريات الوطنية في الغالب.

إن الهدوء النسبي في الضفة الغربية ليس دليلا على تبدد الهوية والتطلعات الوطنية للفلسطينيين بل يشكل مقدمة لصياغة متجددة للاهداف الجماعية وملاءمتها مع التغييرات في البعد الجغرافي الاستراتيجي، أم مع التحولات التي طرأت على صورة المجتمع الفلسطيني. فالهدوء النسبي ينبع من خمسة اساسات يتداخل الواحد مع الاخر:

1. ذاكرة جماعية صادمة لاغلبية الجمهور الفلسطيني من سنوات الصدام مع اسرائيل (منذ العام 2000). والارتداع عن امكانية استئنافه.

2. معرفة الضائقة العميقة السائدة في معظم العالم العربي (بما في ذلك في قطاع غزة) والتي على اساسها نشأ فهم جماعي في اوساط الفلسطينيين في الضفة الغربية، وبموجبه رغم المصاعب التي لا بأس بها والتي يقفون امامها، واساسا في ضوء السيطرة الاسرائيلية، فلا يزال وضعهم جيد بشكل نسبي.

3. نسيج حياة مستقر نسبيا – ولا سيما بفضل سياسة اسرائيل على المستوى المدني، الذي يؤكد ثمن الخسارة الكامن في التوجه الى المواجهة.

4. صعود جيل شاب يعزو أهمية كبيرة للتحقق الذاتي وللتقدم في الحياة المهنية الشخصية، ويظهر اغترابا تجاه السلوك الوطني والتعب من الشعارات الايديولوجية التي حركت الساحة الفلسطينية في الماضي. تعبير ملموس عن هذا الميل هو الانخفاض على مدى السنين في حجم المشاركة في الاحداث التي تجرى احياء لايام الذكرى الوطنية وذلك بخلاف المشاركة الواسعة في الاحتجاجات التي مركزها اقتصادي، مثل المظاهرات الجماهيرية ضد قانون الضمان الاجتماعي في السلطة الفلسطينية.

5. سعي كبار رجالات السلطة الفلسطينية الى منع التدهور في الميدان انطلاقا من الرغبة في الحفاظ على مكانتهم السياسية والخوف من اعادة سابقة سيطرة حماس على قطاع غزة (2007) في الضفة الغربية ايضا. في هذا السياق يبرز تمسك الفلسطينيين في الحفاظ على التنسيق الامني، الذي يشكل بالنسبة للطرفين اساسا مركزيا لاستمرار الاستقرار في المنطقة.

ولكن صيغة الاستقرار في الضفة الغربية تواجه في الاشهر الاخيرة تحديا شديد القوة في شكل أزمة اقتصادية آخذة في الاحتدام. والسبب المركزي لنشوئها هو قرار السلطة الفلسطينية وقف تلقي اموال المقاصة، التي تشكل نصف ميزانيتها – 9 مليار شيكل من اصل نحو 8 مليارات في العام 2018. وذلك احتجاجا على قرار اسرائيل الاقتطاع من اموال المقاصة المبلغ الذي يمنحه الفلسطينيون لعائلات السجناء. فالانخفاض المالي الكاسح في الميزانية دفع السلطة الفلسطينية الى الاعلان قبل شهرين عن سياسة طوارىء اقتصادية في اساسها تقليص 40 – 50 في المئة من رواتب نحو 160 الف موظف (منهم 65 الفا من اعضاء أجهزة الامن). اضافة الى ذلك، توجهت السلطة الفلسطينية بطلب المساعدة من العالم العربي، الذي وعد بمنح 100 مليون دولار في السنة (حاليا دون التنفيذ العملي). وينبغي التشديد على انه في الماضي توقفت اسرائيل عدة مرات عن تحويل اموال المقاصة، ولا سيما في اثناء انتفاضة الاقصى، الخطوة التي أثرت دراماتيكيا على الواقع الاقتصادي في المناطق. في الحالات الاخرى، تراجعت اسرائيل عن مثل هذه الاجراءات عقب فهم امكانيات التدهور، في بداية 2015 مثلا، بعد أن انضمت السلطة الفلسطينية الى سلسلة من المنظمات الدولية.

لقد وفر التقرير الاخير للبنك الدولي، الذي استعرض الوضع الاقتصادي – المالي في السلطة الفلسطينية قبيل انعقاد «الدول المانحة» مفاهيم عميقة حول الازمة الاقتصادية. فقد تقرر في التقرير أن النمو في السلطة الفلسطينية في 2018 تميز بانكماش متواصل وبلغ 0.9 في المئة في الضفة الغربية (نحو سلبي على خلفية النمو الطبيعي في عدد السكان، بنحو 3 في المئة). اضافة الى ذلك، عكس التقرير التقلص المتواصل في المساعدات الغربية للفلسطينيين (والذي يسجل منذ نحو عقد)، والذي يأتي بخلاف التوسع في المساعدات التي تعطى من الدول العربية (والتي لا تزال ادنى كثيرا من المساعدات الغربية). هكذا فان المساعدة العامة للسلطة الفلسطينية والتي بلغتف ي 2010 نحو 4.5 مليار شيكل تقلصت في 2018 الى نحو 2 مليار شيكل. وينبغي أن يضاف الى ذلك الانخفاض في ميزانية الوكالة، والتي يعتمد عليها قطاع اللاجئين في المناطق وفي الشتات، وكذا التقليص في المساعدات الأميركية للفلسطينيين في اعقاب الشرخ الحاد بين واشنطن ورام الله في السنة الاخيرة.

تبرر الازمة الاقتصادية الناشئة في الوقت الحالي طرح اخطار من مغبة تغيير استراتيجي محتمل في الساحة الفلسطينية. فتواصل الازمة على مدى الزمن، فما بالك تفاقمها، من شأنه ان يؤدي الى نشوءعدة تهديدات من ناحية اسرائيل: اتساع دائرة الفلسطينيين المشاركين في خطوات عنيفة ولا سيما أعمال الاخلال بالنظام والعمليات، وذلك في ضوء الاحباط المتزايد وتغيير اعتبارات الربح والخسارة الحالية السائدة في الجمهور الفلسطيني، مصاعب أداء المهام في السلطة الفلسطينية على المستوى المدني، مما سيخلق فراغات يتعين على اسرائيل أن تمليها، في مجال البنى التحتية المدنية مثلا (السيناريو الذي من شأنه ان يعمق تعلق الجمهور الفلسطيني باسرائيل ويجعل الحكم الفلسطيني زائدا لا داع له)؛ «رفع رأس» حماس في ضوء قيود السلطة الفلسطينية؛ والمس بالتنسيق الامني، ضمن امور اخرى في اعقاب تفسيرات ذاتية للمحافل الميدانية من أوساط الاجهزة – التي تتضرر هي نفسها من الازمة الاقتصادية – لتهديدات كبار رجالات فتح والسلطة لوقف العلاقات مع اسرائيل (تطور في هذا الاتجاه من شأنه ان يجد تعبيرا له في تقييد التعاون مع محافل الامن الاسرائيلية، وفي الحالات المتطرفة – في المبادرة الى الارهاب). فضلا عن ذلك، فان الازمة في الضفة الغربية ستترجم الى تقليص اكثر حدة للدعم الاقتصادي من السلطة لقطاع غزة. هذه الخطوة ستتسبب بمزيد من التردي للوضع المدني في قطاع غزة (المتهالك اصلا)، ولاحقا الى ضعضعة الواقع الامني في المنطقة.

للازمة الاقتصادية الحالية صلة بـ «صفقة القرن» المتوقع ان تعرض قريبا، والارتباط بين الاثنتين في ذات الفترة الزمنية من شأنه ان يكون مرشحا للانفجار. ففي الرؤية الفلسطينية، فان الضغط الاقتصادي ومبادرة ترامب ينبعان من «مؤامرة اسرائيلية–أميركية» منسقة غايتها فرض تسوية تخدم مصالح اسرائيل والولايات المتحدة، ولا تنسجم مع مصالح الفلسطينيين. وفي الوقت الحالي، فان موقف معظم الجمهور الفلسطيني من صفقة القرن يتراوح بين عدم الاهتمام والعداء، وفي كل الاحوال في مركز جدول الاعمال الجماهيري يوجد الوضع الاقتصادي وليس المسألة السياسية. ولكن عرض الخطة في الوقت الذي تعيش فيه الساحة الفلسطينية كلها في أزمة اقتصادية من شأنه أن يفاقم التوتر العام ويرص الجمهور والقيادة حول الاحساس بتهديد مشترك. بل ان السلطة الفلسطينية من شأنها ان تشجع الاضطراب الجماهيري مع نشر المبادرة وذلك من أجل تجسيد التحديات التي تقف امامها من الداخل.

ان القيادة الفلسطينية لا تزال تظهر نفورا مبدئيا من العنف ومن فكرة «حل السلطة». يبدو أنها تحاول ادارة أزمة حادة ولكن متحكم بها، غايتها وقف العقوبات التي فرضتها اسرائيل والولايات المتحدة على الفلسطينيين، وبالتوازي احباط «صفقة القرن». ولكن الالية المتشكلة، التي في مركزها الاضطراب الجماهيري الذي من شأنه ان يتعاظم في ضوء استمرار الازمة الاقتصادية، من شأنها أن تكون أقوى من قدرة التخطيط والتحكم للسلطة الفلسطينية وتوجيه المعركة كلها نحو مواجهة يمكن التحكم بها. في هذه اللحظة لا يوجد تعبير ذو مغزى للاضطراب في الشارع ويبدو أن الجمهور الفلسطيني لا يزال يوجد في صدمة أو مرحلة هضم الوضع الجديد. ولكن الاحباط والغضب المتراكمين من شأنها أن يتفجرا دون «مؤشرات دالة». ويمكن للانفجارات ان تتجسد في جملة من التعابير التي تتحقق في وقت واحد أو بالتدريج: احتكاك شعبي واسع النطاق مع اسرائيل؛ تصاعد الارهاب – «العفوي» او «المؤطر"؛ واحتجاج جماهيري ضد السلطة الفلسطينية. في الخطاب الجماهيري الفلسطيني زعم ان الضفة الغربية تختلف عن قطاع غزة: بينما يظهر الغزيون «قدرة امتصاص» متواصلة ومعتادون على الازمة الوجودية عديدة السنين، فان التغيير السلبي في الضفة الغربية، كما ينشأ اليوم، لا يطاق ومن المتوقع أن يؤدي الى انفجار واسع وسريع.

لم تصل اسرائيل والسلطة الفلسطينية الى نقطة اللاعودة. فحل وسط في مسألة الاموال المخصصة لعائلات المخربين كفيل بان يكون المفتاح للازمة الحالية، بشكل يسمح باعادة ضخ اموال المقاصة الى الصندوق الفلسطيني. حكومة اسرائيل مطالبة بان تعترف بانها تقف امام بديلين: سيء وأسوأ، وعليها ان تتخذ تجاه السلطة الفلسطينية ذات المرونة والبراغماتية التي تظهرها في هذه الايام بالنسبة للتسوية في قاع غزة (مثلما في قطاع غزة، في حالة الضفة الغربية ايضا، يدوع الحديث عن تنازل مقابل استقرار استراتيجي ومنع تصعيد ذي آثار خطيرة من ناحية امنية وسياسية. للبعد الزمني وزن حاسم في هذا السياق. فكلما كان العثور على حل اسرع، هكذا يقل احتمال التصعيد، وكلما تلبثت التسوية، احتدم التهديد بمواجهة لا يمكن التحكم بها.