هآرتس - تسفي برئيل 30/4/2019

* انسحاب أميركا من سوريا معطل. والاتفاق على تفكيك المليشيات في محافظة إدلب يتلكأ. والاتفاق على تعيين لجنة لصياغة الدستور لا يلوح في الافق. وفي الوقت الحالي حيث بوتين متهم بالتعاون مع إسرائيل، ربما يظهر أن احتكار قوته يحتاج الى القليل من المرونة

بعد أن نقل السيطرة على معظم اراضي سوريا لبشار الأسد، كان بامكان الرئيس الروسي بوتين، بدرجة كبيرة من الصدق، أن يسجل لنفسه إنجازا عسكريا هاما. إلا أن الإنجاز ما زال لا يشكل انتصار. في اليوم التالي تبين له أنه أمام حقل الغام سياسي، الذي يضع أمامه تحديات جديدة غير مخططة، والتي من شأنها أن تقضم من انجازاته العسكرية.

الخطة السياسية التي رسمتها موسكو ظهرت وكأنها عملية مرتبة ومعقولة: روسيا كان يجب عليها أن تبدأ بسحب جزء من قواتها من سوريا؛ وحل مسألة تفكيك قوات المتمردين في محافظة ادلب بطرق دبلوماسية، بالاساس بواسطة تركيا؛ وتشكيل لجنة لصياغة الدستور الذي مبادئه سبق وكتبت على أيدي المستشارين الروس؛ وتحديد موعد للانتخابات والبدء باعادة اعمار الدولة. بدايات الفصول تم الاتفاق عليها في لقاء القمة الذي عقد في ايلول 2018 بين ايران وتركيا وروسيا، وتم قبولها من قبل بشار الاسد وعدد من منظمات المتمردين.

ولكن في كانون الاول الماضي بدأت الامور تتشوش: الرئيس دونالد ترامب اعلن عن نيته سحب القوات الاميركية من سوريا، وهو قرار لم يطبق بعد. بين ترمب وتركيا حدث شرخ عميق في موضوع الدفاع عن القوات الكردية المحمية من قبل القوات الأميركية. ترامب وافق على اقامة قطاع امني في المناطق الكردية في شمال سوريا، بعمق 32 كم، لكنه طلب أن تقوم قوات اوروبية بالاشراف عليه والقيام بأعمال الدورية في المنطقة، في حين أن تركيا طلبت أن تكون قواتها هي المسؤولة عن ذلك. وطالما لم يتم الاتفاق على هذا الموضوع فان الانسحاب سيتأجل. وفي هذه الاثناء الطرفان يبحثان عن تسوية تناسب الاكراد ايضا.

ايضا روسيا وسوريا تعارضان سيطرة تركيا في شمال سوريا، لكن في نفس الوقت تطلبان من تركيا تطبيق الاتفاق حول حل المليشيات المسلحة التي تتركز في محافظة ادلب، وبالاساس قوات جبهة النصرة (أو جبهة احتلال الشام، الاسم الجديد لها). هذا الاتفاق استهدف منع هجوم عسكري روسي – سوري كبير على الاقليم، حسب طلب تركيا. ولكن في الوقت الحالي تركيا لا تفي بتعهدها لحل المليشيات. وروسيا بدأت بالتهديد بأن صبرها آخذ في النفاد. معركة على اقليم ادلب، الذي يعيش فيه 3 ملايين مواطن تقريبا مع 50 ألف مقاتل من المليشيات المسلحة، يعني موجة جديدة من اللاجئين الذين سيهربون الى تركيا، التي تستضيف الآن أكثر من 3.5 مليون لاجيء سوري. بدون حل مشكلة ادلب سيتأخر ايضا استكمال سيطرة النظام على كل ارجاء الدولة ومعه ايضا باقي الخطوات السياسية التي خططتها روسيا.

لغم آخر يكمن في غياب اتفاق على تعيين لجنة للدستور، التي يجب عليها العمل برعاية الامم المتحدة. في يوم الجمعة الماضي انتهت الجولة 12 من محادثات الاستانة (أو باسمها الجديد نور الدين)، في عاصمة كازاخستان، بدون أي نتائج. اساس الخلاف يتركز حول تشكيل الطواقم التي ستعمل على صياغة الدستور. روسيا معنية بتمثيل كبير بقدر الامكان لقوى المعارضة الى جانب ممثلي النظام، تركيا تعارض اشراك الاكراد والاسد يعارض مشاركة عدد من منظمات المعارضة. ايران من ناحيتها تريد الحفاظ على نفوذها في سوريا ازاء السيطرة الاقتصادية لروسيا على مواردها مثل حقول النفط والغاز التي اعطيت حقوق تطويرها لشركات روسية، الى جانب تأجير ميناء طرطوس لروسيا مدة 49 سنة.

هذا الصراع الاقتصادي تعاظم الى جانب ما تسميه ايران تعاون بين روسيا واسرائيل، في مؤامرة لطردها من سوريا. محللون ايرانيون يشيرون الى عدد من «الدلائل": اعطاء الضوء الاخضر لمهاجمة اهداف ايرانية؛ ضبط النفس الروسي بشأن قرار ترامب الاعتراف بهضبة الجولان كجزء من دولة اسرائيل؛ ومؤخرا اطلاق سراح اسيرين سوريين مقابل جثمان زخاريا باومل. كل ذلك يعتبر خطوات تدل على وجود «تحالف» روسي – اسرائيلي موجه ضد طهران. هذا التفسير الايراني – الذي يجد له مؤيدين ايضا في الحكومة التركية – يخدم في الحقيقة اسرائيل التي تبدو كمن تستطيع التأثير على سياسة روسيا في الشرق الاوسط (الى جانب السياسة الأميركية). ولكن ليس مؤكدا ان روسيا راضية عن هذا التشبيه، لا سيما عندما تكون موجودة ضمن ضفيرة من الخطوات السياسية في سوريا، التي فيها من الافضل لها أن لا تظهر كمن تعمل حسب أجندة اسرائيل.

روسيا تسيطر على ما يبدو على احتكار ادارة العمليات السياسية. ولكن هذا الاحتكار الذي يقتضي صيانة ومرونة تجاه المنافسين الآخرين من اجل أن يتمكن من التحقق. يبدو في هذه الاثناء أن ملايين المهجرين واللاجئين السوريين، وكذلك الافكار والمخططات لاعادة اعمار سوريا، ستضطر الى الانتظار. لأنه طالما لم يشكل هناك نظام ثابت ومتفق عليه، لن تكون هناك دولة مانحة مهمة ستوافق على ضخ الاموال الطائلة المطلوبة لإعادة الإعمار.