يذهب معظم من تناول ظاهرة انسياق الأردنيين للغرف السوداء، وتحولهم إلى أدوات لترويج الإشاعات، ونشر خطاب الكراهية إلى أن السبب هو غياب المنظومة الإعلامية القادرة على مخاطبة الأردنيين، وكذلك الدفاع عن رموز الوطن وتحميل هذا الغياب مسؤولية انقياد الأردنيين للغرف السوداء ومن ثم ميلهم لنشر الإشاعة، غير أنه من غير الإنصاف تحميل الإعلام الأردني وحده المسؤولية الكاملة عن وقوع الأردنيين ضحايا للغرف السوداء، ووسيلة من وسائل هذه الغرف لتحقيق أهدافها، فلا بد من الاعتراف أيضاً، أن هناك غياباً كاملاً أيضا لمؤسسات التنشئة والتثقيف السياسي والاجتماعي للأردنيين، في ظل حياة سياسية قاحلة، بسبب ضعف أهم مؤسساتها، أعني بها الأحزاب التي تشكل في العادة أطراً للتثقيف السياسي، ولبناء القدرات التحليلية خاصة في مجال التمييز بين الحقيقة والإشاعة، كما أنها تشكل أطراً للعمل الجماعي المنضبط، والكابح لانفلات الأفراد،المانع لكلامهم غير المسؤول، وغير المبني على الدليل.

لقد أدى غياب هذه المؤسسات إلى انتشار حالة من الجهل بين الأردنيين، خاصة لجهة أحكام الدستور والقوانين النافذة في البلاد، والناظمة للحياة السياسية وللعلاقة بين السلطات، وهو الجهل الذي يبرُز كثيراً أثناء الاعتصامات وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، خاصة ما يتعلق بالمطالبة بحل مجلس الأمة بالإضافة إلى الكثير من المطالب التي يتبادلها الأردنيون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، دون الانتباه إلى الأحكام التشريعية الناظمة لهذه المطالب وآليات تحقيقها.

وإذا كان الجهل بأحكام الدستور والقوانين النافذة والناظمة للحياة السياسية على وجه الخصوص، نتيجة من نتائج غياب مؤسسة التنشئة السياسية، فإن غياب مؤسسات التنشئة الاجتماعية أدى إلى اختلالات كبرى في علاقات الناس ببعضهم وبدولتهم، أهمها غياب ثقافة الاحترام، خاصة للمواقع القيادية وشاغليها، وتنامي الأنانية التي جعلت كل أردني يشعر بأنه الأولى بشغل هذه المواقع، وقد شجع على ذلك ما تم خلال السنوات القليلة الماضية من تجاوز الكثير من الأعراف والأسس والمعايير، التي كانت متبعة في اختيار شاغلي المواقع القيادية في سلطات الدولة وأجهزتها المختلفة، الأمر الذي نمى عند الأردنيين الإحساس بازدراء هذه المواقع من جهة، وبأحقية كل واحد منهم بإشغالها، ومن ثم تنامي أحاسيس الغيرة والحسد عند الكثير من الذين صاروا يعبرون عنها بالترويج للإشاعات ولا يعرفون مصدرها ولا يتحققون من صحتها، أو باختراع الإشاعات للإساءة لمن يعتقدون أنهم أخذوا حقهم بالتعيينات أو أنهم تجاوزوهم بهذه التعيينات.

لقد أدى ذلك كله إلى سيطرة عقلية القطيع ومن ثم سهولة انقياد الأردنيين للإشاعات وسهولة تغير مواقفهم من قضية بعينها، إذا لم تأتِ وفق هواهم وعلى مقاسهم، والأمثلة على ذلك كثيرة، خاصة من أحداث الأسابيع الأخيرة، ولعل هذا ما يفسر لنا التناقض الذي يمارسه بعض الأردنيين، عندما يشتمون الحكومة والمسؤولين ثم يقفون طوابير لتهنئتها، أو عندما يلحون على تكريم المسؤول الذي يتهمونه بالفساد، وهكذا عقلية وهكذا سلوك يشكلان أخصب أرضية لإفرازات الغرف السوداء، التي آن آوان تنبيه الأردنيين لخطرها, لمواجهتها من خلال مؤسسة تنشئة سياسية واجتماعية حقيقية وسليمة.

Bilal.tall@yahoo.com