ظلت وزارات الصحة في معظم دول العالم الثالث تائهة لسنوات طويلة في كيفية القيام بواجبها نحو المواطنين بين الطب الوقائي والطب العلاجي حتى عام 1978 عندما استقرت منظمة الصحة العالمية على تعريف موحد يتمثل في (الرعاية الصحية) بمستوياتها الاولية والثانوية والثالثية، وعقدت من اجل ذلك مؤتمرها الكبير في الماآتا واطلقت اعلانها التاريخي نحو الهدف العظيم (الصحة للجميع بحلول عام 2000) وراحت تلك الوزارات تتسابق في تطبيق مبادئ هذه الرعاية ذات الكلفة الاقل والخدمات الاوسع انتشاراً والاكثر عدالة في التوزيع، وكانت وزارة الصحة الاردنية من اكثرها همةً وحماساً رغم ان مواردها المالية والبشرية كانت شحيحة، وحققت في سنوات قليلة نجاحات عديدة إذ ركزت جل جهدها على انشاء مئات المراكز الصحية كخط اول للدفاع عن صحة المواطنين في قراهم واحيائهم في طول البلاد وعرضها ولم تهمل انشاء المستشفيات لكنها حينما استطاعت مثلاً بناء (مستشفى عمان الكبير) في اوائل السبعينات من القرن الماضي كي يخفف الضغط الشديد عن مستشفى الاشرفية (البشير فيما بعد) سُلخ عنها وخرج من نظامها الصحي وتحّول الى مستشفى الجامعة الاردنية، ولما تمكنت بعد أكثر من ربع قرن من انجاز مشروع مستشفى الأمير حمزة لنفس الغرض رأى وزيرها أن يحوله للعمل على اسس القطاع الخاص بدعوى ان ذلك أدعى لنجاحه وارتقاء نوعية خدماته وبقي البشير وحيداً ! ولما كانت على وشك انشاء مستشفى كبير في اربد (زبدة فركوح) باسم الملك عبدالله المؤسس ليعمل اسوة بالبشير في الشمال الاردني جرى إلحاقه بجامعة العلوم والتكنولوجيا وتم اصطناع نظام (خاص) له مستقل عن وزارة الصحة..! وعندما استطاعت بشق الانفس انشاء مستشفى الامير زيد في الطفيلة تنازل عنه وزيرها آنذاك للخدمات الطبية الملكية معتذراً بعدم قدرة الوزارة على ادارته !

من المناسب هنا ان يتذكّر المواطنون بأنفسهم ما وُضع في طريق وزارة الصحة من عراقيل عبر نصف القرن الماضي لاضعافها وتشويه صورتها مقابل القطاعات الصحية الأخرى ! ومن واجبي ان أذكر ببعض ما مورس عليها من ضغوط لقبول الخصخصة المقنعّة باشكال مختلفة مثل شراء خدمات التأمين الصحي لموظفي الدرجة الاولى من المستشفيات الخاصة التي تسعى الآن حثيثاً للاستيلاء كذلك على مرضى الدرجتين الثانية والثالثة، ناهيك عن مسلسل تقليص صلاحيات الوزارة ووظائفها الاساسية كمسؤولة دستورياً «عن جميع الشؤون الصحية في المملكة»، مثلما حدث يوم فُرض عليها عام 1987 القانون المؤقت للمؤسسة الطبية العلاجية الذي ألغاه المجلس النيابي الحادي عشر عام 1990، أو عندما خُدعت بإنشاء مديرية «الشراء الموحد» للادوية لتخفيض الانفاق وكانت النتيجة ارتفاعه اضعافاً مضاعفة، أو الالحاح على فرض قانون المسؤولية الطبية منذ 2001 خدمةً للسياحة العلاجية لكن النقابات الصحية قاومته حتى لا يسقط في قبضة شركات التأمين، واخيراً لا آخراً «تمرير» نظام «الاعتمادية» الذي سلب منها سلطة الرقابة والتفتيش وفوّضها لشركة !

وبعد.. فمن المعلوم ان هدف اليبراليين الجدد في كل دول العالم مازال قائماً ومستمراً في الافتئات على دور القطاع العام حتى في مجالي الصحة والتعليم.. والأردن ليس استثناءً !