تتوالد أسئلة المستقبل وترفض المستحيل في فضاء يتسع لمِنَصّات التواصلِ الاجتماعيِّ كافةً وتحارُ لتفاصيلها واتساع حدودها في ظل تنامي الثورة الصناعية الرابعة بكل معطياتها وتجلياتها حيث يُشيرُ إليها مُؤسِّسُ المنتدى الاقتصاديِّ العالَمِيِّ كلاوس شواب في كتابِهِ «الثورةُ الصناعيّةُ الرابعة» الصّادرِ عام 2016 بشيء من التفصيل فيبيّن انعكاساتها وآثارها البعيدة على أسئلة المستقبل وتحدياتها الرقمية البعيدة؛ إذ لا يمكنُ لواحدِنا أنْ يتجاهلَ ما يحدثُ في عالَمِنا اليومَ مِنْ تحوّلاتٍ وتغيّراتٍ تستندُ إلى التكنولوجيا الرَّقْمِيّة؛ فقد صِرْنا أمامَ جيلٍ مِنَ الطابعاتِ ثلاثيّةِ الأبعاد، والربوتاتِ الذكيّة، والحواسيبِ المتطوّرةِ وغيرِها مِنَ الابتكاراتِ التي تَضَعُنا أمامَ تحدّياتٍ جَمّة، إذا أردنا اللحاقَ بركبِ العلمِ والحضارةِ على الصّعيدِ العالَميّ.

والسؤال أين نحن من هذه الثورة، هل نواكبها ام نعود الى الماضي نجتره دون تمثل تراثنا الذي اثار في حينه نهم العالم واحترامه، وكان فضله على أمتنا كبيراً، وتراثنا لا يرفض ان نمضيَ الى الامام بأسلحة جديدة تواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة، ولذلك بات لزاماً على الجامعات ان تقوم بدورها الاكاديمي الرفيع للإجابة عن أسئلة الحاضر والمستقبل بوسائل جديدة تتفق مع روح العصر وتقرأ مستقبلها بوعي وجدّ وعلم وعقل، وهذا يقتضي ان تغير الجامعات آليات تفكيرها وآساليب تدريسها وطرق بحثها العلمي والأكاديمي، ونمطية علاقاتها مع مجتمعاتها، وان تنتقل في منظوماتها التعليميّةِ مِنَ التعليمِ التقليديِّ إلى التعليمِ المَنهجِيِّ الحديث (بما يشملُ التعليمَ المُدمج) حتى تتمكَّنَ مِنَ التنافُسِ على الصُّعُدِ المحليَّةِ والإقليميَّةِ والعالَمِيَّة. وفي الآنِ نفسِه، يجب التركيز في هذا المسعى على المنظومةِ القيميّةِ والثقافيةِ في مجالِ التعليم، بحيثُ يكونُ الطلبة قادرينَ على المشاركةِ الفاعلةِ في مجتمعاتِهِم والتحاورِ معَ الثقافاتِ والحضاراتِ الأخرى.فهلْ نحنُ اليومَ في الواقعِ المعيشِ قادرونَ على الاستجابةِ للأنساقِ المعرفيّةِ التي فرضَها الوضعُ التواصليُّ ضمنَ العالَمِ الافتراضيِّ وشبكاتِ التواصلِ الاجتماعيِّ بما تحمِلُهُ مِنْ نماذجَ ووسائطَ وتحدياتٍ وظواهر؟

لقد أصبحَ الإعلامُ المستندُ إلى أطرٍ تَقَنِيَّةٍ متقدّمةٍ صانعًا للواقعِ المعيشِ ومشكّلاً لوعي مُصطنعٍ مُغرقٍ في الانفصالِ عنْ هذا الواقع. نحنُ بحاجةٍ إلى استثمارِ وسائلِ التواصلِ هذه في تأطيرِ النقاشِ حولَ القضايا الراهنةِ التي تشغلُنا في رحابِ فضاءٍ عامٍّ تحكُمُهُ الأخلاقُ والقوانينُ والأنظمة، فنعملُ جميعًا على بناء مجتمعاتِنا استنادًا إلى قيمِ الدولةِ المدنيّة، وننأى بأنفسِنا عن خطابِ الكراهيةِ الذي يفرِّقُ ولا يجمّع. وبعدُ فأقولُ لشباب الوطن ومحبيه أنتمْ خيرُ مَنْ يقرأ، وأنتم خيرُ مَنْ يسمع، وأنتم خيرُ مَنْ يَعْلَمُ أنَّ كثيرًا مِنَ الحواراتِ والمعلوماتِ والآراءِ والأفكارِ والرؤى والأحكامِ تحتاجُ إلى أنْ يَتَوَثَّقَ المَرْءُ منها قبلَ أنْ تكونَ محورًا للنقاش، ونحنُ إذ نريدُ لكم أنْ تكونوا دائمًا في الطليعة، لَنَأمَلُ أنْ تتحمّلوا مسؤوليّاتِكُم في قيادةِ الفضاء الإلكترونيِّ الذي يُغَطّي مساحاتِ العالَمِ الافتراضيِّ على نحوٍ واسع لكي ندافع عن منجزات الوطن والمجتمع بحصافة واحترام واقتدار.

mohamadq2002@yahoo.com