أحد أهم أسباب تردي الوضع العربي هو التّدخّل الأجنبي.

في بدايات القرن الماضي، كانت الدول العربية ترزخ تحت نير الاستعمار الأوروبي الذي كان محتلاً لعدد كبير منها عسكرياً، وبعد أن استقلت تلك الدول بقي العديد منها خاضعاً لهيمنة الدول المستعمِرة تلك، ثم الهيمنة الأميركية.

حتى القضية الفلسطينية، سببها الرئيس هو وقوعها فريسة للحركة الصهيونية، أوروبية المنشأ، وتدخل العديد من دول أوروبا، والآن أميركا، لصالح تلك الحركة.

يهمنا اليوم، وليس الأمس؛والمشكلة اليوم تتمثل في الهيمنة والتدخل، من قبل الدول إياها ومن قبل دول أخرى من الإقليم.

والسؤال المهم، ما الذي نستطيع فعله لإنهاء الهيمنة والتدخل الذي يضر بالدول العربية منفردة ومجتمعة، ويضر بالقضية الفلسطينية؟

إنهاء التدخل والهيمنة لن يكون أمراً سهلاً لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا، لكن الخطوة الأولى لإنهائه تتمثل في معالجة أحد أهم الأسباب التي تتيح التدخل.

ونقصد بذلك الاختلاف والخلاف العربي البيني، الذي يُسهّل دخول الأجنبي ودخول الطامع.

لا بل إن عدداً من دولنا، بسبب خلافاتها واختلافاتها البينية، تُشجع التدخل وتُرحّب به نكاية ببعض أبناء جلدتها، وظنّا منها أن التدخل سيكون في صالحها.

هذا هو في ظننا «كاحل أخيل» في علاقات الدول العربية بغيرها من خارج المنطقة ومن داخلها وعلاقاتها بعضها ببعض، وهذا ما يجب معالجته بتنسيق وثيق بين الدول العربية، وبحراك نحو وفاق واتفاق عربي تقوده بعض الدول العربية الحكيمة.

وهذا أمر ممكن، وأمر لا مفرّ منه، فهنالك عدد من الدول العربية التي تتمتع بالحكمة والرؤية السديدة والإيمان بالثوابت، والتي ترفض مبدأ الهيمنة الخارجية والتدخل الإجنبي، والتي يمكن أن تشكل نواة لفعل جاد يكون هدفه توافقاً عربياً حقيقياً ينقذ المنطقة والأمة من براثن المتدخلين فيها والعابثين في أمنها وآمانها، والمانعين لتطورها وازدهارها.

نقطتان أساسيتان لا بد من التأكيد عليهما هنا.

أولاً، هنالك فرق جوهري بين علاقات مع الدول الأجنبية تقوم على الاحترام والتعاون والمصلحة المشتركة، وهذا ما نؤيده وندعو إليه، وبين علاقات تقوم على الاعتماد على الأجنبي وعلى السماح له بالهيمنة والتدخل السلبي الهدمي في شؤوننا، تحت أية ذريعة وأيّ مسمّى، وهذا ما ندعو إلى رفضه وإنهائه في أقرب فرصة.

ثانياً، لا رابح عربياً من الهيمنة والتدخل الأجنبي، والكل خاسر. بعكس ما قد يبدو الأمر للبعض، فإنّ الاعتماد على الأجنبي والسماح له بالتدخل لصالح جهة عربية ضد جهة أخرى، سيجعل المنطقة كلّها عرضة للتوتر والتأزم، ويمنع التنمية والازدهار والاستقرار.

لا يمكن للدول العربية أن تنمو وتزدهر، منفردة أو مجتمعة، إلاّ من خلال أجواء من التفاهم والتنسيق البينيين الوثيقين، ومن خلال أجواء الأمن والأمان والاستقرار، ومن خلال علاقات احترام وتعاون ونديّة مع دول الجوار وما بعدها.

وبعد، فالصدع في العلاقات العربية الناجم عن التدخل الأجنبي خطأ استراتيجي كبير لا بد من العمل على تصحيحه حتى لا يتردّى الوضع إلى أبعاد أسوأ بكثير مما نتخيلّ.