د. أسماء سالم

صدرت مجموعة «رماديّ داكن» للكاتب الكويتيّ طالب الرّفاعيّ عن داري الشّروق المصريّة ودار ذات السّلاسل الكويتيّة، عام 2018. وهي تحتوي على 25 قصّة واقعيّة غنيّة بمشاهد معيشة تسلّط الضّوء على واقع المجتمع الكويتيّ.

ويمثل عنوان المجموعة فضاءاتها المزدحمة بالمعاناة وضعف العلاقات وغموضها، مع حضوره لفظاً ودلالة في قصّة «لوحة للهواء»، يقول السّارد: «الرّماديّ لون الخلفيّة، مع أنّ اللون أزرق... خلفيّة اللوحة تبدو غارقة بلون رماديّ... الفنّان ابتسم وهو يخبرك: ربّما تدرّج اللون، أو لأنّ الرّماديّ تسيّد حياتنا». فالواضح أنّ التّوتّر والقلق والحيرة تكتنف جملة هذه الأعمال بعناصرها لاسيّما الشّخصيّات، بما يتّفق مع العنوان والرّؤية التي تصوّر الحياة بين بين، بين الإنسانيّة وغيابها، وبين الإحساس بالوجود وعدمه، وبين التّماسك والتّشرذم...، وعليه فقد هيمنت دلالة الرّماديّ على عوالم المجموعة، انعكاساً عن غياب العدالة الاجتماعيّة؛ إذ أوحت بالعجز والصّمت أمام واقع تعيشه شخصيات محايدة لا إحساس بقيمتها ووجودها، وبصورة من الرّكود والكآبة والتّخوّف والذّوبان في السّياق الاجتماعيّ وعدم الوضوح.

لقد اتّخذت هذه الأعمال موقفاً واضحاً من قضايا اجتماعيّة وهموم حياتيّة عدة؛ فالحياة الاجتماعيّة كما يبدو رماديّة، والعلاقات باهتة ومأساويّة، بالتّركيز على أوضاع بعض المأزومين ضمن مشاهد إنسانيّة مألوفة، وبعض الفئات مهضومة الحقوق، لا سيّما المرأة والعمالة الوافدة، بوصفهما الفئتين الأكثر حضوراً وتأثيراً وتأثّراً، وبتكريس واضح لهذه الأعمال تصويراً لواقع مشبع بأوجاع الإنسان؛ إذ تستنطق الشّخصيّة المحوريّة منذ البداية وتسبر أغوارها لتقول أو تعترف، حتّى تنتهي باللاحيلة واللاجدوى، فقصّة «لكن لا يتحرّك» مثلاً تقف على قضيّة حسّاسة من قضايا حقوق الإنسان، هي (البدون) ومآسيها من تمييز وتفرقة وتضييق.

إنّ كتابة طالب الرّفاعيّ صوت يعرّي مجتمع المهمّشين، ويصوّر عوالمهم الدّاخليّة المتأثّرة بالخارج وعلاقاته، ويركّز على قيم الحقّ والخير والجمال والعدالة والمساواة والانسجام، في موقف إنسانيّ ملتزم صادر عن تجربة صادمة ومخيّبة، وتواصل ومتابعة، فالكاتب مسكون بقضايا اجتماعيّة محلّيّة ضيّقة وأخرى إنسانيّة واسعة معنيّة بالإنسان وعلاقاته وصراعه، ومهتمّ ببعض الفئات القلقة والمقلقة، فلا يتعاطف بقدر اهتمامه بكشف الواقع ومرارته وزيف علاقاته وتوتّرها، وعنايته بصوت المخاطب وأثر القراءة في إيقاظ الوعي وتوجيهه للحراك والإصلاح؛ فالكتابة عنده صورة للوقوف في وجه السّلطة الاجتماعيّة، ومحاولة لتجاوز قانون المسكوت عنه، محاولاً خلق عالم أفضل في قيمه.

ومن هنا عنيت موضوعات القصص بالهموم الإنسانيّة والاجتماعيّة، لا سيّما هموم المرأة في المجتمع الذّكوريّ، وهموم الإنسان الكادح، والمتفاني، والطّامح، وحاجات بعض الفئات كذوي الاحتياجات الخاصّة، فحياتهم الأجمل في قصّة «دويتو» مرهونة بالمشاركة الجمعيّة وبمدى الانسجام والتّعاون لتجاوز ظروفهم. كما عنيت قصص الرفاعي بتصوير الآثار النفسيّة نتيجة التّجارب المأزومة وغياب العدالة وتردّي الأوضاع، كالكبت والقهر والاغتراب والضّياع، وكذلك الأمراض الاجتماعيّة التي تعكس فساد العلاقات كالكبر والمداهنة والكذب والواسطة والمحسوبيّة والنّفاق الاجتماعيّ والتّرف الظّاهريّ، كما في قصّة «طبق الأصل» التي تصوّر تداعيات امرأة لا يعنيها سوى ذاتها وصورتها الفارهة في مجتمعها.

وتبدو النّزعة في المجموعة واقعيّة نقديّة، شخصيّةً وحدثاً ولغة؛ إذ تعاملت مع السّارد بحساسيّة، بوصفه شخصيّة محوريّة مأزومة، ما تحاكي به أدبَ الاعتراف والسّيرة، وكان السّرد مزيجاً من الأنا والأنت، ما خلق التّوتّر، بتواتر العزف على وترين: صوت المتكلم بضمير الذّات (أنا) لدلالاته النّفسيّة والاجتماعيّة، لا سيّما الصّدق والتّفاعل وتصوير الفكر والصّراع؛ وصوت المخاطب الذي بدا مهيمناً، بضمير (أنت) البارز والمستتر، لعكس صورة عن الشّخصيّة وواقعها، وللتّأثير ملقياً بظلاله على واقع التّلقّي، ولوظائفه الأدبيّة الجماليّة والنّفسيّة والاجتماعيّة المقصودة، مشاركةً وإفساحاً للوعي، ومكاشفةً ولوماً.

إنّ المهمّ في الحكاية هو الحدث والدّلالة، فالحكاية بسيطة الحبكة ومألوفة قد تكون مشاهدة دراميّاً أو مسموعة؛ وذات انحياز فنّيّ وقربٍ واقعيّ وعمق نقديّ، لا تحتفي بالمكان بقدر عنايتها بالأحداث الفنيّة المنعكسة عن أخرى واقعيّة، وبزمن السّرد وبعض التّقنيات كالاستباق والاسترجاع وهو بارز فيها، مع حضور تيّار الوعي في تصوير الشّخصيّة المغلوبة على أمرها تحت سلطة المجتمع، ما جعلها أكثر واقعيّة وقرباً، فهماً لتأزّمها، مثل ما تحكيه قصّة «أمّ» عن مأساة خادمة وافدة، تخلّت عن حياتها الكريمة في بلادها إثر خيانة عاطفيّة، وعانت وتحمّلت كثيراً من المسؤوليّات والهموم، ممثّلة الأمومة الحقيقيّة، تقول: «الأسبوع القادم، أكمل سنتي الثّانية هنا، حدّثت نفسك وأنت في طريقك إلى الطّابق الأرضيّ، جئت قبل ميلاد الصّغيرة بشهرين، قدِمت بحقيبة شبه خالية»، مخاطبة دخيلتها غير مرّة؛ سؤالاً عن العدالة وبحثاً عن المساواة. أمّا اللغة فكانت سهلة سلسة، وبسيطة أقرب إلى لغة النّاس، لكونها تعكس صورة عن ثقافة المجتمع، ولأبعاد ذاتيّة وغيريّة، فالكاتب مهتمّ بالمضمون والوضوح.

ويتكشّف التّخييل الذّاتيّ في القصّة الأخيرة (رسائل موج)، فالشّخصيّة حقيقيّة، تمثّل السّارد والكاتب باسمه (طالب الرّفاعيّ) في آن واحد، شخصيّة واحدة تقصّ بصوت المتكلّم ما يتقاطع مع سيرة الكاتب، وتحيل إحالة واقعيّة إلى أحداث متعلّقة به، تصوّر بعض هواجسه وأحلامه وطموحاته، وتسترجع بعض اللحظات، كتخرّجه وعمله مهندساً وبداية كتاباته مع مجموعته القصصيّة (أبو عجاج طال عمرك)، وروايته (ظلّ الشّمس)، وعمله في المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، وتأسيسه جائزة الملتقى للقصّة القصيرة العربيّة.

أمّا الشّخصيّات فذات آلام وآمال، ومواقف واضحة من الحياة، وتوجّهات في العلاقات؛ أكثرها شخصيّات إنسانيّة مهمّشة وخدم وموظّفو شركات، وهي شخصيّات مأزومة ومغتربة اجتماعيّاً، تعيش حالة صراع اجتماعيّ وجوديّة حقيقيّة، وتعاني من جملة هموم نتيجة التّفاوت وتحوّل الأوضاع والنّظرة الدّونيّة بحكم بعض الأعراف ومرحلة ما بعد الحداثة؛ شخصيّات تطمح إلى الحياة الكريمة والمنصفة، وتعاني إثر بعض العلاقات الملتوية والفاسدة؛ فالعلاقات بين المرأة ومجتمعها وأفراده، وبين الرّجل وزوجه، والعامل ومديره، والعاطل وحياته، علاقات فاترة وغير سويّة، ونجد صورة لذلك في قصّة «الثّالث» مثلاً؛ فالمرأة تصوّر سلطة الزّوج وعلاقتها غير المنسجمة به، بينما يبدو لامبالياً ودائم التّأنيب لها، بينما هو في الحقيقة يعاني أزمة نتيجة إهمالها وسوء تعاملها مع الخادمة، وقسوتها عليها شتماً، ولا إنسانيّتها.

على أنّ المرأة تشكّل الحضور الأبرز، فقد تعدّدت نماذجها والموضوعات المتعلّقة بها كالحبّ والخيانة والزّواج والطّلاق والاستغلال والإهمال، فثمّة التي تكتم حبّها، وتعيش حالة من الكبت في قصّة «قراءة معطّرة»، التي تصوّر أزمة عاطفيّة تمرّ بها الأنثى من طرف واحد، وتقصّ إعجاب الشّخصيّة المحوريّة السّاردة بموزّع أوراق العطور في السّوق التّجاريّ؛ لكنّ الخجل الذي ورثته في مجتمعها يحول دون الإفصاح عن مشاعرها، حتّى بعد زواجها؛ وثمّة المرأة المطلّقة، غير المستقرّة نفسيّاً واجتماعياً، كالأستاذة الجامعيّة في قصّة «صورتان»، فرغم التّوهّم بهدوء حياتها، إلا أنّ المجتمع ونظرته يقيّدانها، إذ تعيش حياة ضيّقة وفارغة ومملّة، وتلقي بتداعياتها ظلالاً على مجتمع ينحاز للذّكوريّة ولا يعترف بالمرأة وإنجازاتها، في واقع الواسطة والنّفاق في التّعيينات؛ فقد اختير أستاذ جامعيّ بشهادة مزوّرة عميداً للكلّيّة، بينما رُفضت أستاذة مؤهّلة.

وثمّة أنموذج للمرأة المظلومة والمضطّهدة في قصّة «وضحى» التي تتحدّث عن تسلّط الرّجل وعدم احترامه لحياتها ووجودها وحرّيّتها وحاجاتها وصوتها وعلاقاتها؛ وثمّة أنموذج آخر للمرأة المقهورة والمستغلَّة، كالزّوجة في قصّة «لحية وشارب» التي تعكس صورة عن المرأة وعلاقتها بزوجها الانتهازيّ والمتجبّر، في جوّ دراميّ مألوف، وقائم على الاختلاف والصّراع والتّعارض والإهانة. وقد ساهم توظيف الاسترجاع لا سيّما في ما يتعلّق بحجاب المرأة في انعكاس صورة عن سلطة ذكوريّة بارزة تمثّل إشكاليّة مؤرّقة للمرأة لأنّها تحكم حياتها وأحلامها ومصيرها؛ فكلّ شيء مرهون، فـ«لا مدرسة من دون حجاب» على لسان الأب، و«لا جامعة من دون نقاب» على لسان الزّوج.

أمّا العمالة الوافدة فتمثّل حضوراً واضحاً على المستويين الواقعيّ والفنّيّ، فثمّة صورة للعامل الكادح، كالفرّاش في قصّة «جيش نمل»، الذي يعاني من تردّي أحواله المادّيّة، ويصوّر حاجته ورغبته في العمل بجدّ رغم مرضه وكبر سنّه. وهناك فرّاش المدير، والذي يمرّ بأزمة حادّة، إثر تفجير راح ابنه الجامعيّ ضحيّته، كما جاء في قصّة «قرب المدخل» التي تصوّر عدم اكتراث المدير به وبهمومه، ما يعكس صورة عن سلطة المنصب الأعلى وتضخّم الذّات والتّرفّع، بما فيه إدانة. وهناك صورة للعامل المتفاني الذي يخيّب ظنَّه واقعُ الواسطة والمحسوبيّة كما في قصّتي «قطّ صغير» و«العمّ خليفة».

وقد صوّرت الأعمال نماذج ذكوريّة مأزومة تعلّقت همومها بالزّواج والطّلاق والاغتراب؛ فمعنى أن تكون رجلاً في قصّة «رجل» أن يصعب قرارك في الاختيار والارتباط، فالرّجل تلحّ عليه أمّه للزّواج التّقليديّ بابنة خاله، إلا أنّه يتزوّج حبيبته ثم يطلّقها لبرود العلاقة، ثمّ يرتبط بابنة خاله ويطلّقها نتيجة الخلافات، فيتحوّل إلى الأولى، ثمّ تستهويه النّادلة، وهكذا؛ لتحكي لنا عن علاقات الرّجل بالمرأة، ومدى الائتلاف والاختلاف، كلّ بحسب حاجاته، واحتكامه في أحيان كثيرة إلى التّقاليد والعادات. ونجد صورة أخرى لرجل مطلّق يائس ومهزوم وعاطل عن العمل بل وعن الحياة؛ فأثر ما بعد الحداثة يتّضح في تلاشي الإنسانيّة، في قصّة «زجاج أعمى» مثلاً؛ إذ يستغرق الرجل في العمل الالكترونيّ والآليّة، وينشغل عن ابنته الوحيدة، ولا يعود يستمتع بالعلاقات، فتجربته المأزومة تجربة إنسان ما بعد الحداثة.

أمّا الإنسان الذي يعيش حالة من الاغتراب الاجتماعيّ مع زيف العلاقات، فيتمثّل في شخصيّة السّارد في قصّة «عبد الهادي» التي تعكس صورة عن تشظّيه، بين الدّاخل والخارج، والمثال والواقع، والصّدق والكذب، وتناقضه وتخوّفه من الظّهور، وتحيّره في مدى إفصاحه عن حقيقة دخيلته حول علاقاته بمديره وزوجته وزميلته وغيرهم.

هذه المجموعة كتابة قصصيّة جادّة، تحتكم إلى الوعي والفهم والأداء والواقعيّة، تعبيراً عن حقيقة الوجود، واهتزاز منظومة القيم لا سيّما الاجتماعيّة، وبحثاً عن جديد، بخصوصيّة إبداعيّة ورؤى منحازة إلى العدالة والإنسانيّة والمساواة، ومواقف واضحة من المجتمع والحياة.