د.إبراهيم خليل

إحدى المآثر التي تُحسب للدكتور محمود السمرة، أنه سعى لتضييق الفجوة بين الثقافة والأدب العربيين، والثقافة الغربية، ذلك لأن دراسته في لندن، وامتلاكه ناصية اللغة الإنجليزية، قراءة وكتابة، ساعداه على الاطلاع على الأدب الغربي القديم منه والحديث، وأفاد من هذا الاطلاع في جلّ ما كتب. وهو ما تكشفه مقارناته بين آراء القاضي عبد العزيز الجرجاني وآراء هربرت ريد وإليوت ولاسال أبر كرومبي وغيرهم من الإنجليز، واقتباساته في ما كَتبه عن طه حسين وعباس العقاد ومحمد مندور، من كبار النقاد الغربيين ممن تأثر بهم تأثراً كبيراً أو غير كبير، وكذلك ما كتبه عن النقد الأنجلو-أميركي المعروف باسم «النقد الجديد».

أما كتابه الذي صدر في زمن مبكر (1974) الموسوم «في النقد الأدبي»، فقد تضمن فصولاً غايتها الأساسية وهدفها المباشر تقريب ما هو بعيد من الأدب الأوروبي للقارئ العربي. وقد تضمَّن فصلاً مطولاً عن فن القصة، ابتدأ بالحديث عن ظهور هذا الفن الأدبي في الأداب الأوروبية، وانتهى بالحديث عن ظهوره لدى رواد القصة العربية أمثال جورجي زيدان ومحمد فريد أبو حديد وطه حسين وعبد الرحمن الشرقاوي وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ.

ولم يفته أن يعرض لفنون السرد العربي ابتداءً من بخلاء الجاحظ، مروراً بمقامات البديع، وانتهاء بألف ليلة وليلة. وهذا كله في فصلة موجزة قصيرة، الهدف منها أن يعرف القارئ على ما في الفن القصصي من ألوان سردية متنوعة تختلف عن القصة بمفهومها الاصطلاحي الفني، الذي فرّق فيه بينَ (romance) و(Novel) وقصة (Story) وقصة قصيرة (Short story) وسكتش/ أقصوصة (Short short story) متوسعاً في الحديث عن أركان القصة، وهو في هذا السياق يستخدم كلمة «قصة» بالمعنى الذي يراد من كلمة «رواية». ويتناولها ركناً تلو الآخر، الحادثة، أو الحكاية، والنموذج السردي الذي منه ما يشبه السيرة الذاتية، ومنه ما يكون على هيئة المونولوج الداخلي، أو ما يسمى تيار الشعور (Stream of conscious).

ثم يتحدث السمرة عن الشخصيات، وما تعبر عنه من وجهات النظر، وفي هذا المقام يذكر لنا نوعين من الشخوص، بعضها ثابت لا يتغير ولا يتطور في الحكاية، وهو ما يسمى (Flat Character) لدى بعضهم، ومنها الشخصية التي تتغير بفضل الأحداث الجارية، وهي التي تسمى لدى بعضهم «شخصيات مدورة» (Round Character)، أي نستطيع رؤيتها من جوانبها كافة لا من جانب واحد، ويصفها بعضهم بالمتطورة.

ويذكر السمرة لكل نوع من هذين النوعين أمثلة من الروايات العربية المنشورة تقريباً وتوضيحاً لهذين المفهومين من ذهن القارئ العربي، فمن النوع الأول شخصية رضوان الحسيني في رواية «زقاق المدق» لمحفوظ، وشخصيات رواية «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي. أما النوع الثاني فمن أمثلته شخصية عباس الحلو في رواية «زقاق المدق»، وأحمد عاكف في رواية «خان الخليلي»، وحسنين في رواية «بداية ونهاية» لنجيب محفوظ.

ويذهب السمرة مذهباً آخر في الحديث عن الشخوص، عندما يشرح للقارئ كيف يقوم الكاتب برسم ملامح الشخصيات. فقد يلجأ إلى الوصف التقريري الخارجي، فيقدم لنا صورة عن المظهر العام لتلك الشخصية، وقد يلجأ إلى التحليل، فيلقي الضوء على ما يسبر به أغوارها، وما تتصف به طباعها النفسية، وما يعتورها من أوضاع، وذلك عن طريق الأفعال التي تقوم بها، والأقوال التي تصدر عنها، والسلوك الذي تنماز به عن بقية الشخصيات.

وفي حديثه المتصل عن الحبكة، يذكّرنا السمرة بكتاب يُعد من أوائل الكتب التي تحدث فيها مؤلفها عن أركان الرواية وجوانبها الفنية، والكتاب بعنوان (Aspects of the Novel) لمؤلفه الروائي (E.M.Forster)، ومما يؤيد استنتاجنا أنه يورد الأمثلة التي توضح الفرق بين الحكاية والحبكة التي أوردها فورستر في كتابه. وزيادة في الإيضاح يتحدث السمرة بالتفصيل عن أشكال الحبكة، فمنها الحبكة المفككة (Loose Plot)، ومنها الحبكة المتماسكة (Organic Plot) مع ذكره أمثلة من الروايات العربية، فرواية «بداية ونهاية» لمحفوظ ذات حبكة متماسكة، وكذلك «السراب» للكاتب نفسه.

ولعل مما تختلف به القصة عن غيرها من فنون الأدب أن لها أسلوباً مختلفاً عن الشعر وعن المسرح، وفي هذا يقول السمرة: الحقيقة التي ينبغي على كتّاب القصة أن يعرفوها قبل غيرهم من القراء أن أسلوب القصة عفوي أقرب إلى أسلوب المتكلم العادي في حياته اليومية، وبذلك يختلف أسلوبها عن الأسلوب الشعري الذي يحتاج إلى اللغة الأنيقة ذات المجازات الحيوية والاستعارات المبتكرة. وهو يفرق بين المفاهيم المتجاورة، فمفهوم القصة (الرواية) مختلف عن مفهوم القصة القصيرة. وقد أورد لنا من الاقتباسات ما ينم على حيرة الأدباء في تعريف هذا الفن وتحديده تحديداً دقيقاً، فمنهم من يستند في تحديده لعدد الكلمات، ومنهم من يستند للقراءة في جلسة واحدة، أو في ساعة وبعض الساعة. وأياً ما يكن الأمر، فإن الشيء الذي يختلف به هذا النوع الأدبي عن غيره هو التركيز، ووحدة الحدث، والموقف، وربما الشخصية. وكتابة القصة القصيرة في نظر السمرة أكثر صعوبة ومشقة من أيّ نوع قصصي آخر، على الرغم من أن كثيراً من الناس يظنونه سهلاً يسيراً.

وحسب هذا الفصل فضلاً أنه دلفَ بنا إلى فضاء جديد في النقد على تماس مع نظرية الأدب، والتفرقة بين الأجناس. وقد قفاهُ السمرة بفصل آخر تطرق فيه لإشكالية البطل، وأزمته في القصة المعاصرة. وذلك أن القصص في الماضي كانت تتخير في الغالب بطلاً متفوقاً في كل شيء، ولو قرأنا بعض الروايات الكلاسيكية كـ"مدام بوفاري» لفلوبير، و«آنا كارنينا» لتولستوي، و«الجريمة والعقاب» لدستويفسكي، وجدنا أبطالها يعانون من إشكالات نفسية وأخلاقية، لا تجعل منهم أبطالاً بالمعنى الدقيق الذي هيمن على القصص منذ هوميروس، وقد تغيَّب هذا البطل عن القصص الحديث، وَيُـفسر غيابه هذا بتغيبه أساساً عن حياتنا الاجتماعية، «فلقد تغيب البطل المثالي من هذا الأدب لأنه أدبُ المجتمع الإنساني غير المثالي».

وتلحّ على السمرة إشكالية التفرقة بين الفنون الأدبية، وتوضيح الأسس التي يقوم عليها كل نوع، لذا نجده في الفصل الثالث من الكتاب يتوسع في توضيح الأبعاد الفنية الخاصة بالتراجيديا (Tragedy) في الأدب الغربي. وهذا الفصل استقى السمرة فكرته من كتاب لألدوس هكسلي (Huxley) وعنوانه «المأساة والحقيقة الكاملة» (Tragedy and the Whole Truth)، فالتراجيديا بقوانينها الفنية الصارمة حالت دون التعبير عن الحقيقة الكاملة في رأي هذا الكاتب، لذا وجدنا المحدثين ممن يكتبون هذا اللون من المآسي يتحررون من هاتيك القوانين، ومن هؤلاء أندريه جيد، ود. ه. لورنس، وبروست، وكافكا، وإرنست هيمنغوي.. وهم جميعاً من كبار الأدباء، فقد اختلفت لديهم التراجيديا عما كانت عليه في الماضي؛ لذا فإن التراجيديا بالمفهوم القديم عفا عليها الزمن، وهذا لا يعني أننا لم نعد نستمتع بمشاهدة الأعمال التراجيدية الكلاسيكية، وفي ذلك يقول السمرة رحمه الله: «الواقع يقول لنا غير ذلك، فنحن ما نزال تهزنا التراجيديات التي كتبت منذ القديم، وحتى هذه التراجيديات إذا شقت طريقها للسينما، وأخرحت أفلاماً، فإنها تؤثر في نفوسنا تأثيراً بالغاً. فالتراجيديا فن من فنون الأدب الرفيعة المحببة إلى النفوس».

وبالأسلوب نفسه يقفنا السمرة إزاء إشكالية الشعر في الغرب، وهل يلاقي مصيراً كمصير التراجيديا؟ وهو لا يتناول ذلك تناولاً عشوائياً يعتمد على التقدير الذاتي والانطباعات العابرة، بل يعتمد على كتب منشورة طرحت مثل هاته التساؤلات، ووضعت على عاتق الشاعر الحديث مسؤوليات جسيمة وجديدة، تتمثل في التعبير عن التحديات التي تواجه الإنسان في عصر الصناعة الآلية التي تؤدي إلى تشويه الطبيعة التي طالما تغنى بها وردزوورث وشيلي وأودن. فعلى الشاعر اليوم ألّا يقدم لقرائه صوراً زائفة عن الواقع، وإنما عليه أن يشاركنا مخاوفنا من قنبلة ذرية أو هيدروجينية أو حرب نووية قادمة مبيدة، وعليه في الوقت نفسه أن ينشر في شعره الأمل والبهجة والفرح. وهذه هي معضلة الشعر الغربي اليوم، إذ كيف للشاعر الذي هو إنسان مثلنا معرَّض للشكوك والمخاوف والقلق أن ينشر فينا البهجة والفرح؟

وبما أن السمرة في مقالاته، وفي فصول كتابه هذا «في النقد الأدبي»، يحاول أن يبني جسراً بين ثقافتين، فإن مما يتمم غايته ويعمق عطاءه، أن يقدم لنا في فصلة منه خلاصة مستصفاة لآراء ت. س. إليوت (Eliot) عن علاقة الشعر بالدراما. ذلك لأن المسرح ران عليه حينٌ من الدهر غلب فيه النثر على الشعر، وجاء إليوت ليجدد الشعر الدرامي، بديلاً للنثر. إذ إن طبيعة المسرح في رأيه تتطلب أن يكون شعراً لا نثراً. وقد تناول إليوت عدداً من النماذج الشكسبيرية مثبتاً بالتحليل الفني أن الشعر أليق بالمسرح من النثر. وتطرق في الأثناء لتجربته هو في كتابة المسرح الشعري ولا سيما في مسرحيته الأولى «جريمة قتل في الكاتدرائية» (Murder in the Cathedral) التي وضع نصب عينيه فيها أن تتكلم الشخوص شعراً. واعترضته مشكلات تقنية حاول تلافيها في مسرحيته الشعرية الثانية «التئام شمل العائلة» (The Family Reunion)، ففيها أقلع عن محاكاة شكبير، وقلل من عدد الممثلين، واعتمد اعتماداً أكبر على الجوقة. أما في مسرحيته الثالثة (The Cocktail Party) فقد بذل جهده للعثور على وزن شعري يحاكي في جرسه، ويقترب من جرس لغة الحديث اليومي. وقد تغلب على هذه العقبات، وقطع شوطاً بعيداً في ابتكار وزن ولغة تستطيعان التعبير عما يريده دون اللجوء إلى النثر.

المدارس الأدبية

واللافت أن السمرة، وهو يفتتح بكتابه هذا أفقاً للقارئ على الثقافة الغربية، لم يفته التوغل في نظرية الأدب، التي لا يقتصر اهتمامها على التفريق بين الأجناس وما يتصف به كل جنس منها من أساسيات تجعله مختلفاً عما عداه. وإنما تبحث أيضاً في ما لهذه الأنواع من تيارات ومذاهب، وما تشهده من اتجاهات اعتاد الدارسون على تسميتها «مدارس أدبية»، ومن هذه المدارس: الكلاسيكية والرومانسية والواقعية والتعبيرية والسريالية والرمزية.

وكان لدى السمرة آراء في تفسير هذه المدارس لظاهرة الإبداع الفني والأدبي، ابتداءً من نظرية المحاكاة عند أفلاطون وأرسطو، مروراً بنظرية ليسنغ، والنظريات الأخرى من رومانسية، ورمزية، وسريالية، وواقعية، وطبيعية، كما وقف بتأنٍّ عند مدرسة التحليل النفسي وصداها في بعض الدراسات التطبيقية العربية.

غير أن تضييق الفجوة بين القارئ العربي والأدب الغربي يتطلب في ما يتطلبه أن يحيط ببعض الشخصيات الأدبية الغربية، وهذا ما عمد إليه السمرة في باب من أبواب الكتاب، وهو الذي أفرده لأضواء على شخصيات أدبية، تناول في إحداها توماس مان، وفي أخرى الشاعرة إميلي برونتي، وفي ثالثة ألدوس هكسلي، وفي رابعة تشارلز دكنز المجهول، وفي خامسة القاص سومرست موم.

والجدير بالذكر أن هذه الشخصيات من الشخصيات التي يزهو بها الأدب الغربي ويفتخر، إن كان الأمر في الشعر أم في القصة أم في الرواية أم في المسرح. وصنيع السمرة في هذه الفصول يعتمد على تعريفنا بالأديب تعريفاً يتضمن استقصاء لمؤلفاته، ووقفة عند أحد هذه المؤلفات، من إحدى الزوايا المهمة فيه. فيحدثنا عن كتاب «العودة إلى عالم جريء» لألدوس هكسلي، مشيراً لرؤية هذا الكاتب لعالم متغير، وهو بعد تعريفنا بديكنز وبرواياته يلقي الضوء على كتاب يتناول شخصية هذا الروائي لمؤلفه «فيليكس» (Felix) الذي يكشف عن سر عميق في حياة ديكنز ظل مجهولاً، وهو علاقته الغرامية بالممثلة إلين تيرنان. أما الروائية إميلي برونتي، فقد كشف لنا من عرضه لأشعارها ما كانت تؤمن به وتعتنقه، وهو المذهب الرواقي، الذي يقوم على مبدأ الصبر والتجلد، لمواجهة الحياة في عالم تملؤه الشرور، ولا مكان فيه للأمان. وقد أضاء لنا الجانب المظلم من شخصية توماس مان السياسي، والمريض. وقلْ مثل هذا عن الكاتب سمرست موم.

لم يدخر د.محمود السمرة جهداً لتعريفنا بأنفسنا أولاً، وبتعريفنا بالآخر. ومقالاته هذه، وفصوله المنشورة تحت عنوان «في النقد الأدبي»، ليست نقداً فحسب، وإنما هي ضرب من ضروب التثاقف، يجد فيها الباحث عن النقد ما ينشده، والباحث عن الفروق بين الأجناس ما يبحث عنه ويقصده، والمتشوف للاطلاع على الأدب الغربي بفنونه من شعر ودراما وقصة ورواية، ومن مدارس أدبية وتيارات، ومن شخصيات بارزة، ما يحتاج إليه ويريده، فهو أدعى إلى أن يحسَب كتباً متعددة في كتاب واحد، ورؤى متواترة للأدب من منظور العلاقة بين الأنا والآخر.