محمود شقير - روائي وقاص فلسطيني

بمجهود جدير بالتقدير من الزوجة الوفية المثقفة إفلين الأطرش، ومن الابنة همس والابنين عروة وقيس؛ صدرت المجموعة القصصية الجديدة «المشهد الذي لا يكتمل» عن «الأهلية للنشر» في عمّان، بعد جمع قصصها التي كان الراحل الكبير عدي مدانات نشرَ بعضها في مجلات وصحف شتى، أو احتفظ ببعضها الآخر بين أوراقه، وجاءت لتؤكد بعد نشرها في كتاب على تمكنه العالي من فن القصة القصيرة، وعلى إتقانه لهذا الفن الصعب أيما إتقان؛ وعلى أنه أحد أبرز كتاب القصة القصيرة في الأردن وفي الوطن العربي، إلى جانب إسهاماته البارزة في الرواية وفي الدراسة الأدبية والمقالة وغير ذلك.

في هذه المجموعة القصصية يواصل عدي مدانات الكتابة بأسلوبه السهل الممتنع، وبلغته الجميلة التي تجسد المعنى تماماً، وتعكس الحالات الشعورية المختلفة لأبطال قصصه، بجمل مكتوبة بدقة لا تقبل الحشو الزائد أو التزويق المفتعل، أو الذهاب إلى الميلودراما والطفح العاطفي غير المنضبط.

ولعل السمة الأبرز في هذه القصص تتمثل في الحوار العميق الذي يجريه مدانات مع الحياة ومع مفارقاتها السارة حيناً المؤلمة في أحيان أخرى، وكذلك مع تلك اللحظات الهاربة لجهة القبض عليها واستعادتها عبر الكتابة بعد أن جرفها بعيداً تيارُ الحياة. يتبدى ذلك في القصة الأولى الموسومة «أسف ما بعد فوات الأوان» عن الرجل الغريب والمرأة في البلد الأجنبي؛ حيث التحسر على لحظة حميمة ضائعة لم يفطن إليها الرجل إلا وهو عائد في الطائرة إلى بلده.

الأمر نفسه يتكرر على نحو مثير للأسى في قصة «حدث في حديقة السبكي»، حيث المفارقات التي قادت علي السعيد إلى مركز الشرطة بتهمة السرقة، وأخّرت ذهابه إلى بيت الفتاة التي قرر عرض الزواج عليها. في هذه القصة؛ ثمة أيضاً محاولة للقبض على اللحظة الهاربة عبر تداعيات بطل القصة، وذلك حين كانت ابنة الجيران تأتي إلى غرفته من دون أن يتجاوب مع رغباتها، وها هو ذا يتذكرها بأسى بعد فوات الأوان.

ويتبدى ذلك في «فسحة صفاء» حين تحتفي السيدة محاسن في الصباح المبكر بالنهار الجديد وبالطبيعة الساحرة، وتبتهج لحركة الأولاد في البيت، ولوعد زوجها لها بشرب القهوة معاً ثم خروجه المفاجئ، وبقائها وحيدة في البيت مع فنجان قهوتها، ومع دموعها، ما يجعل القصة عامرة بالحركة النفسية الداخلية المضطربة، وبالمشاعر المستثارة المرهفة جراء هذه اللحظة الإنسانية البسيطة التي لم يحققها الزوج لزوجته.

شبيهٌ بذلك ما ورد في قصة «تلك المفاجأة» عن اللحظة الضائعة في تضاعيف الزمن، عن طالبة الجامعة التي تبعثها إلى ذاكرة الأستاذ الجامعي؛ وهو مريض في المستشفى؛ تلك الممرضة الجميلة التي كانت تؤانسه وتتحدث معه، لكنها خرجت بعد وقتٍ باكية من غرفته، لأنها رأت في تلك الطالبة مثالها الضائع.

ولا يقف الضياع عند هذا الحد، بل يتعداه إلى ما هو أفدح، وذلك حين يستشهد مصور من غير ذنب على يدَي جندي قاتل خلف الحدود.

كان المصور قبل استشهاده يحضّر ليوم عرسه، ولم يبقَ له بعد استشهاده إلا رداء العرس الأسود الذي تخرجه أمه من الخزانة، ثم تتباين الآراء حول الرداء، ويتم الكلام عليه وعلى علاقته التي لم تتم بصاحبه، وفي الأثناء يقوم مصور زميل للشهيد بالتقاط صور لرداء العرس. ويظل الرداء نهباً للآراء إلى أن بادرت أم الشهيد إلى حسم الموقف حين ناولت والد الشهيد رداء العرس لكي يُدفن مع الشهيد، في إشارة غير مباشرة إلى أن الشهيد عريس رغم كل شيء.

وما يلفت الانتباه في قصص عدي مدانات حرصه الشديد على شخوص قصصه، يمنحهم الحب والرعاية والحنان، يتفهم مظاهر ضعفهم ولا يستهين بهم ولا يقلل من شأنهم، نراه وهو يتابع بدأب مصير الموظف المقهور في قصة «الأذى يأتي من حيث لا يدري»، فالموظف مقهور من الشخص الذي يسد عليه الطريق بسيارته فيؤخره عن دوامه، وهو مقهور من أزمة السير، ومن شكوك الزوجة، ومن قسوة مديره عليه، ما يضطره إلى مغادرة مكتب المدير وبناية البنك وهو يبكي من شدة القهر.

ويبلغ حرص الكاتب على شخوصه حده الأقصى في قصة «السواد» حيث يتابع العجوزين سالم ويسرى في لحظة ضعفهما حين توهّما أنهما يريان راية داعش السوداء المنذرة بأشد الأخطار على مقربة من بيتهما، ثم يكتشفان أن الأمر كله كان مجرد هواجس وأوهام.

ولا يكتفي عدي مدانات بسبر العوالم الداخلية لشخوص قصصه، المتعلقة بالقلق وبالحزن وبالتحسر على اللحظات الهاربة في الحياة، بل إنه يؤكد على أهمية العلاقة بين الكائن الإنساني والمكان الذي نشأ فيه وترسخت له ذكريات وتفاصيل معيشة فيه.

نلمس ذلك في موقف الآنسة ازدهار من بيتها القديم، ورفضها بيع البيت بمبلغ كبير من المال، ومن ثم الانتقال إلى سكن حديث، وكم كان موقفها بليغاً مؤثراً حين قالت لمن جاء يتوسط لديها لبيع البيت إلى تاجر عقارات: إذا بعت تاريخي فبماذا أحتفظ بعد ذلك؟

تتبدى أهمية المكان وحميميته في قصة أخرى جميلة هي «مفتاح الصندوق المنسي»، فقد أقامت المرأة القروية «قمرة» -دون رغبةٍ منها- في بيت شقيقها في عمان بعد موت زوجها، ثم جاءت ذات مرة مع شقيقها إلى القرية لتفقّد بيتها؛ حاولت فتح الصندوق الذي يحتوي ذكرياتها وأشياءها، لكن شقيقها كان قد نسي المفتاح في عمّان، وحين لم توافق شقيقته على حمل الصندوق ومغادرة القرية، اضطر إلى أن يعود إلى عمّان لإحضار المفتاح، ويتغيب مضطرّاً أياماً عدة. وفي الأثناء تذوي «قمرة» وتؤثر الموت في بيتها على الابتعاد عنه؛ وهي تموت بينما كان شقيقها يعود إليها ومعه مفتاح الصندوق، لكن، ويا للمفارقة، بعد فوات الأوان.

ومن اللافت للانتباه أن عدي مدانات يبرع في وصف ملامح الشخصيات من الخارج وفي رصد التغيرات التي تطرأ على هذه الملامح، ما يعزز تمكنه من سبر أغوار الشخصيات من الداخل، ويجعل القارئ على تماسٍّ حيّ معها، بحيث يتمثل انفعالاتها المختلفة، وكل ما له علاقة بها من مشاعر وأحاسيس.

وإلى ذلك، فهو يحتفي بكل ما يحيط بالإنسان من كائنات وظواهر وتفاصيل وأشياء.. يحتفي بالقمر وبالحديقة وبالقطة التي تأكل مما في الحاوية من بقايا طعام، وبالكلبة التي يدركها الموت تاركة بموتها أثراً مؤلماً على أهل البيت، وبالمطر الذي يبعث أرقى المشاعر في قلب الزوجة وهي تتأمل نزوله من السماء.

ففي قصة «لعله المطر»، وهي من أجمل قصص المجموعة، نرى الزوجة التي تتوق إلى لحظة دفء؛ لعل المطر هو الذي أيقظ أحاسيسها، فتوقّعت أن زوجها الذي اتصا بها هاتفياً من مكان عمله إنما يشاطرها الشعور نفسه جراء المطر، لكنه خيّب ظنها حين عاد إلى البيت واستلقى في السرير ليأخذ غفوة في انتظار الخروج من البيت مرة أخرى؛ ما دفعها إلى خلع ملابسها والاستلقاء في الجهة التي نام فيها زوجها، لتحظى بشيء من الدفء الذي تركه خلفه في السرير.

وفي قصة «الزيارة المفتقدة» تتوسع الرؤية لتشمل المجتمع وما يصطرع فيه من مواقف سياسية وآراء؛ حيث نرى «سعيد» صاحب الفكرة التقدمية وهو يزور صديقه «أحمد» الذي يحيا في بحبوحة من العيش الرغيد، بعد غياب أربعين سنة. نعرف أن لدى أحمد سرّاً كان عليه أن يفضي به إلى سعيد، لكن «سعيد» في لحظة استعداد أحمد للبوح، يقلع عن الرغبة في معرفة السر؛ ربما لأن الفرق بينهما إزاء تكديس الثروة يفضح السر. وعوضاً عن ذلك، سأله أحمد: كنت تحلم بتغيير العالم، فهل فقدت هذا الحلم؟

أجابه سعيد: ما أزال، ولكن العالم في قبضة رأس المال المتوحش، وليس في قبضتي، والحلم انكسر.

نحن هنا؛ أمام التأني في سبر دواخل الشخصيات ومتابعة انفعالاتها وردود أفعالها تجاه ما يشهده الخارج من أزمات، ومن تراجعات تمس حياة الناس وتطلعهم إلى العدالة والأمن والأمان.. يشير عدي مدانات إلى ذلك بلمحة خاطفة دالّة، من دون تورط في المباشرة وفي الشرح المستفيض.

ولعل القصة التي تحمل المجموعة اسمها «المشهد الذي لا يكتمل» تأتي في آخر الكتاب بوصفها مسك الختام؛ لما اشتملت عليه من قدرة على صوغ المشاعر ورصد تقلباتها وحالاتها المختلفة، وهي تشير على نحوٍ ما إلى فعل الزمن وتأثيره على العلاقة بين امرأة في الستين ورجل في السبعين، وحاجتهما إلى الحب الذي يمكن أن يتخذ في الشيخوخة شكلاً جديداً، ويمكنه أن يدرأ عنهما الموت، ويساعد الرجل على الوفاء بوعده الذي ظل يؤجله لسنوات وسنوات، وذلك بكتابة المشهد المسرحي الذي لم ينفذه حتى الآن، وظلت زوجته تلحّ عليه من أجل أن يبادر إلى تنفيذه، لأنها «علّقت آمالها على مشروعه الكتابي الذي رافق مسيرة زواجهما باعتباره بديلاً محفزاً للعيش».

أخيراً؛ يمكن القول إن عدي مدانات في مجموعته القصصية هذه وفي مجموعاته السابقة يؤكد من دون لبس على أنه صاحب كتابة إبداعية مرهفة، تسعى على نحو مثابر لفهم الإنسان، وللقبض على اللحظات الهاربة في حياة البشر، ولتفكيك لغز الحياة ومفارقاتها المتنوعة، وذلك احتراماً للحياة ورغبة في عيشها حتى الثمالة.