وليد سليمان

المهندس د. بديع العابد باحث أردني معروف في الشؤون المعمارية التاريخية العربية، فقد حصل على رسالة الدكتوراه (الفلسفة في الهندسة المعمارية) من جامعة دلفت من هولندا عام 1992, وكان عميداً لكلية الهندسة في جامعة الإسراء في الاردن.

الجمعية الأردنية لتاريخ العلوم

الدكتور بديع العابد عاشق الترث المعماري والهندسة الشرقية العربية الاسلامية هو عضو فاعل في (الجمعية الأردنية لتاريخ العلوم) والتي تتكون من أكاديميين ذوي تخصصات علمية مختلفة جمعهم هدف مشترك هو إبراز الإنجازات العلمية العربية الإسلامية والتعريف بها وبمكتشفيها من العلماء العرب والمسلمين، وإعادة توظيفها في المناهج الدراسية وفي التداول المعرفي.

وذلك من أجل إعادة بناء الثقة لأبناء الحضارة العربية الإسلامية وحثهم على التأسي بأسلافهم من العلماء العرب والمسلمين الذين حققوا إنجازاتنا العلمية في شتى الحقول، وفرضوا حضورهم العلمي على أوروبا بصورة مطلقة حتى نهاية القرن السادس عشر، وبقي حاضرا جزئياً حتى نهاية القرن التاسع عشر، وأساساً للعلوم المعاصرة.

تاريخ حائط البراق

ومن المعروف انه قد تعددت الأساطير والخرافات والدعاوي التي اختلقها اليهود لاعتبار مدينة القدس بشكل عام والاقصى بشكل خاص مكانا دينياً مقدساً، الا انه رغم هذا الكم من الاكاذيب مازالت أمانيهم سراباً.

وحول ذلك أوضح الدكتور بديع العابد - في كتابه الذي صدر في عمان عام 2008 بعنوان «المركز التقليدي لمدينة القدس بين التواصل والتقويض» - أمورا كثيرة منها: تاريخ حائط البراق, حيث يقول: ان القدس مدينة ليست كغيرها من المدن العربية, فهي بالإضافة إلي كونها ذات وضع معماري وعمراني خاص, هي مدينة ذات خصوصية دينية للمسلمين والمسيحيين, كما يدعي اليهود قدسيتها في دينهم.

والشواهد المعمارية والعمرانية تؤكد إن القدس ممثلة بمركزها التقليدي (القدس داخل السور) مدينة عربية إسلامية تحتضن الوجود المسيحي العربي منذ حررها المسلمون العرب سنة (15هـ-636م). وتتعايش معه كشريك وطن, له حضوره الديني الممثل معماريا بكنيسة القيامة وكنائس أخرى, وحضوره البشري الممثل بالمسيحيين العرب وغالبيتهم الساحقة من اتباع الكنيسة الأرثوذكسية.

اما اليهود فلم يكن لهم أي حضور في المدينة لا بشريا ولا معماريا قبل الفتح الإسلامي وحتى بداية القرن الرابع عشر الميلادي.

حيث اخذوا بالتسلل إلى المدينة إلى إن تمكنوا من احتلالها سنة (1387هـ-1967م).

ومن اسباب تفنيد دعاويهم حسب العابد ما يلي:

إن حائط البراق ليس مكانا مقدسا عند كل اليهود, فاليهود الأرثوذكس بصفة عامة وإتباع فرقة ناطوري كارتا بصفة خاصة لا يرتادونه.

اما اليهود الأكثر ارتيادا له هم اتباع فرقة القبالاه الذين يرتادونه ليس لأنه مكان مقدس, بل لأنه قريب من هيكلهم المزعوم, ولأنهم يعتقدون ان الصلاة تصل إلى الله بسرعة أعلى!.

ان الحائط ليس من ضمن المنطقة المقدسة لهيكل سليمان المزعوم, لأنه من التوسعة المزعومة المنسوبة إلى هيرود الأدومي لم يعترف بها الكهنة اليهود.

ان الحائط ليس بناء حتى يكون مكانا للصلاة, ولا يمكن إدراجه ضمن أنماط مباني العبادة اليهودية الأربعة التي مورست فيها العبادة اليهودية على مدى تاريخها وهي: 1- المذبح, 2- وخيمة الاجتماع, -3 والهيكل المزعوم فهذه الثلاثة انتهى دورها منذ سنة 70م.

وإما الرابع, الكنيس, فهو النمط المتبقي كبناء تمارس فيه طقوس العبادة اليهودية المستحدثة.

وعليه فان الحائط لا يمكن تصنيفه كمكان عبادة. ناهيك عن انه جزء من بناء قائم لديانة أخرى هي الإسلام, حيث حسمت ملكيته لصالح أتباعها بموجب قرار عصبة الأمم المتحدة الصادر سنة (1349هـ-1930م).

الحائط ليس أثراً يهودياً

فالحائط إذن من الناحية الدينية لا يمكن اعتباره أثرا يهوديا.

إما من الناحية التاريخية فليس هناك سند تاريخي يستندون إليه في ادعائهم بقدسية هذا الحائط, فمجير الدين لم يأت على ذكره نهائياً. وكذلك وقفية الملك الأفضل بن صلاح الدين, الخاصة بحارة المغاربة, التي أعيد كتابتها سنة (1004هـ-1595م). حيث لم تشر في تحديدها لحارة المغاربة, من قريب أو بعيد, لوجود أي معلم معماري يهودي في حدوده الأربعة. كما أنها لم تشر إلى وجود بشري يهودي في منطقة الحارة. فلو كان هناك أي تجمع يهودي أمام حائط البراق في سنة كتابة الوقفية(582-593هـ-1186-1196م) أو في سنة إعادة كتابتها سنة (1004هـ-1595) لأشارت إليه.

مما يعزز ما ذهبت إليه هو ان وقفية (الأمير تنكز) الذي – تولى نيابة الشام في الفترة من (712-740هـ/1312-1339م) – الخاصة بمجمع المدرسة التنكزية, لم تأتِ على ذكر اي وجود يهودي أمام حائط البراق, علما ان تقاطع الحائط الجنوبي للمدرسة التنكزية مع الحائط الغربي للحرم يشكل بداية حائط البراق (الذي هو جزء من الحائط الغربي للحرم) من الشمال, وفي نفس الوقت يشكل الحائط الجنوبي للمدرسة التنكزية بداية الزقاق الكائن امام حائط البراق, اي زقاق البراق المؤدي إلى البيوت الشرقية والشرقية الجنوبية لحارة المغاربة.

وقفية الأمير تكنز

ولما كان معلوما ان احد شروط كتابة الوقفيات, هو تحديد الحدود الجغرافية للعين الموقوفة ووصفها بدقة متناهية. فان خلو وقفية الأمير تنكز من اي ذكر لأي وجود يهودي أما حائط البراق يؤكد ان دعاوي اليهود بقدسية الحائط لم تكن قائمة في القرن 14م.

والأمر لا يقتصر على ما وثقه مجير الدين, وما جاء بالوقفيتين, بل ان جميع الرحالة المسلمين الذين زاروا القدس- وكلهم من العلماء- قبل نهاية القرن 15م, اي قبل كتابة مجير الدين لتاريخ المدينة سنة(900ه-1494م), وكذلك الذين زاروها بعد هذا التاريخ وحتى بداية القرن التاسع عشر, لم يشيروا لأي وجود يهودي, ليس فقط امام حائط البراق بل في المركز التقليدي بكامله.

أضف إلى ذلك, ان الحجاج والرحالة اليهود والمسيحيين الذين زاروا القدس قبل نهاية القرن 15. لم يشيروا الى تواجد اي يهودي أمام حائط البراق, وكذلك الرحالة الذين زاروها بعد ذلك. فالحاج اليهودي الحاخام موشى اوف باسولا زار القدس سنة(927-930هـــ/1520-1523م) لم يشر أيضا إلى وجود اي تجمع يهودي امام حائط البراق, أو ما يعرف عند اليهود بالحائط الغربي وعند الأوروبيين «بحائط المبكي» علماً انه أشار إلى وجود كنيس واحد في القدس.

ومن خلال وصفه يتضح أنه نفس البيت المهدم والمهجور الذي استولى عليه اليهود وحولوه إلى كنيس, كما ذكر الرحالة اليهودي عوباديا, وكذلك مجير الدين.

فلو كان هناك وجود لظاهرة ما يسمى بتجمع يهودي امام حائط البراق لذكره كما ذكر استمتاعه بصلاة الفجر وهو ينظر من نافذة الغرفة التي كان يقيم بها والمطلة على الحرم الشريف.

خرافات اليهود

أما الخرافة التي اطلقها اليهودي دافيد الروبيني الذي زار القدس سنة (930هـ -1523م), وادعى بأنه «أمير لمملكة يهودية بعيدة, وانه مكلف بإزالة حجر من الحائط الغربي للهيكل المزعوم, كشرط لمجيء المسيح المخلص, وانه ما لم يُزال هذا الحجر من مكانه فانه لن يتم الخلاص لليهود».

وقد كذَّب هذه الخرافة الحاخام اليهودي نجيد الذي كان مقيماً في القدس, حيث طلب من اليهود عدم تصديق هذه الخرافة.

كما شاعت في نفس الفترة خرافة أخرى تقول بان القبائل (الأسباط) اليهودية المفقودة ستعود بزعامة سبط روبين كما هو مدون في كتاب القبالاة اليهودي المعروف بالزوهار.

ويبدو ان المقصود من كل هذه الخرافات هو إعادة تذكير اليهود بمكانة القدس وتقوية حضورها كفكرة في ذاكرتهم. فالتقاليد الدينية اليهودية تنطلق من قناعة بأن حضور الله وسكينته لن تهجر القدس, وإنها موجودة في الحائط الغربي للهيكل المزعوم. وهذه القناعة تولدت عند حاخامات المدراش منذ القرن الثامن الميلادي, مستندين في ذلك الى ما ورد في سفر نشيد الإنشاد:(هو ذا واقف وراء حائطنا يتطلع من الكوى, يوصوص من الشبابيك..).

وفسر حاخامات المدراش الحائط المذكور في النص السابق, بالحائط الغربي, وتواصل هذا التفسير إلى درجة القناعة بأن من ينظر من الحائط هو الله, وان الحائط هو الحائط الغربي للهيكل المزعوم (الحرم الشريف), وان حضور الله لن يهجر هذا الحائط.

كما أعلن الحاخام أها في القرن العاشر ميلادي بأن حضور الله موجود في الحائط الغربي ولن يهجره. وربما من هنا جاءت أهمية حائط البراق أو ما يسميه اليهود بالحائط الغربي.

ولذلك خرجوا بأسطورة تزعم: ان الإمبراطور الروماني فسبسيان والد الإمبراطور تيطس دمر جميع حيطان الهيكل المزعوم وعجز عن تدمير الحائط الغربي!!.

وهذه الخرافات والأسطورة لم تذكرها الموسوعة اليهودية في مدخلها للحائط الغربي (حائط البراق), لأنها تريد ان تخفي دعوى اليهود في هذا الحائط وراء ستار الموضوعية والعقلانية, حتى يكون طرحها مقبولاً, وهو الادعاء بان السلطان العثماني سليم اصدر فرماناً سنة(927هــ-1520م) يسمح فيه لليهود بالتجمع للصلاة امام حائط البراق.

لا توجد أية وثيقة عثمانية!

وهذا الادعاء يعوزه السند التاريخي, ولم يرد ذكره في اي مصدر تاريخي خاص بالقدس, ولا يوجد اي وثيقة عثمانية, حسب علمنا, تشير في هذا الفرمان.

فلو كان هذا الادعاء صحيحاً لطبق منذ صدوره ولظهرت تجمعات يهودية امام حائط البراق(ساحة البراق), وهذا ما لم يذكره الحاج اليهودي الحاخام موشي اوف باسولا الذي امتدت زيارته للقدس كان سنة(927-930ه/ 1520-1523م).

كما ان مثل هذه التجمعات لم تظهر الا في بداية القرن التاسع عشر ميلادي, لان الحجاج والرحالة اليهود والمسيحيين الذين زاروا القدس قبل بداية القرن التاسع عشر ميلادي لم يشيروا إلى وجود اي تجمعات يهودية في ساحة البراق،أضف الى ما سبق ان اليهود لم يشيروا إلى هذا الفرمان مطلقاً امام اللجنة التي شكلتها عصبة الأمم سنة(1349هـــــ-1930م) لبحث الخلاف بين المسلمين واليهود على حائط البراق, فلو كان ادعاء الموسوعة صحيحاً لكان الفرمان من جملة البينات والمستندات التي عرضها اليهود امام اللجنة, الامر الذي لم يحدث, وبهذا يتضح عدم صحة مزاعم الموسوعة.