صدر كتاب (ذكريات معه) بقلم «تحية» زوجة الرئيس الراحل جمال عبد الناصرالتي توفيت في العام 1992, وهي إيرانية من المذهب الجعفري, وكان أبوها تاجر الشاي الإيراني المعروف محمد إبراهيم كاظم قد جاء الى مصر قديماً وتزوج من امرأة مصرية من طنطا, وأنجب منها ابنته تحية.

وقد تزوج جمال عبد الناصر من تحية في العام 1944 وأنجبت له :منى، هدى، خالد، عبد الحكيم، عبد الحميد.

وعن ظروف كتابة مذكراتها مع عبد الناصر تروي تحية في سيرتها أنها عاشت سنوات دون أن تكتب مذكراتها.. وفكرت في هذا الامر لأول مرة في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي, وواظبت على الكتابة نحو ثلاث سنوات وكان عبد الناصر يرحب بذلك.

وتقول: لقد كتبت عما أذكره من مواقف ومفاجآت مما كان يحصل في بيتنا وما كنت أسمعه وأشاهده بعيني, وما كان يقوله لي الرئيس.. وبعد مدة قررت ألا أكتب أبدا.. وقلت له: وأنا مالي! وضحكنا.

لكنها في العام 1973رأت أن تكتب مذكراتها في الذكرى الثالثة لوفاة زوجها عبد الناصر, حيث كان ابنها عبد الحكيم الطالب بكلية الهندسة بجامعة القاهرة أصغر الابناء في الثامنة عشرة هو الذي ألح عليها أن تكتب ليعرف كل شيء عن أبيه!.

وفي مذكراتها تروي «تحية» عن الايام الاخيرة من حياة عبد الناصر, حيث كان انتهاء مؤتمر القمة العربي في القاهرة عام 1970 فتقول:

في يوم الأحد، وكنت جالسة أمام التليفزيون وكانت نشرة الأخبار الساعة التاسعة مساء تقرؤها المذيعة سميرة الكيلاني حيث قرأت خبراً تقول فيه: لقد تم الوفاق واختتم المؤتمرأعماله، وغادر الضيوف من الملوك والرؤساء القاهرة، وكان في توديعهم الرئيس, وسيغادر الباقي غدا.

فهللت من الفرحة وصفقت بيدي، وكانت ابنتي منى حضرت في هذه اللحظة، وبعد انتهاء نشرة الأخبار قالت لي: ما رأيك يا ماما نشاهد فيلماً سينمائياً؟ ونزلنا للدورالأول.

وفي الساعة العاشرة والنصف جاء السفرجي ليقول: لقد حضر سيادة الرئيس. فقلت لمنى: أكملي أنتِ الفيلم وتركتها.

ودخلت الحجرة ووجدت الرئيس راقداً على السرير.. صافحته بحرارة وقلت له: الحمد لله لقد سمعت نشرة الأخبار وفرحت جدا وهللت, فقال: الحمد لله.

وكان قد طلب العشاء وسألني: هل تناولت عشاءك؟ فقلت: نعم.. وجلست معه ولم يأكل إلا لبن الزبادي ورجع إلى السرير.

ولم تستكمل منى مشاهدة الفيلم وجاءت إلينا ودخلت حجرة والدها وصافحته وجلست معه على طرف السرير، وحضر خالد أيضا وصافحه وجلسا في الحجرة قليلا يتحدثان مع والدهما.

وبعدها ظل الرئيس يتحدث في التليفون حتى الساعة الثانية عشرة ثم قال: سأنام مبكرا، وغدا سأذهب في الصباح لتوديع الملك فيصل وأمير الكويت.. وأطفأ النور ونام.

وفي الصباح استيقظ الرئيس قبل الثامنة، وحضر الطبيب الخاص, وكنت قد قمت وخرجت ودخلت حجرتي، استعداداً للدخول للرئيس في حجرته لأتناول معه الإفطار.. لكنه دخل إليَّ لتحيتي قبل خروجه وقال: سأذهب للمطار.. ووجدت الإفطار قد جُهز في حجرته ولم يتناول شيئا، وعلمت أنه تناول الفاكهة فقط.

ورجع الرئيس في الساعة الثانية عشرة وحضر الطبيب الخاص ودخل له، وكنت سأدخل للرئيس, فوجدت الدكتور يجري له فحص رسم للقلب.. فرجعت ولم أدخل إليه.

و بعد ذلك خرج الرئيس مرة ثانية لتوديع أمير الكويت, رجع الرئيس من المطار في الساعة الثالثة بعد الظهر.

وعند خروجي من حجرتي وجدت ابنتي هدى تستعد لتذهب إلى بيتها بعد أن انتهت من الشغل، وكانت تجلس في مكتب والدها في الدور الثاني (فهي تعمل سكرتيرة له منذ عام.. فبعد مضي بضعة شهور من شغلها معه قال لي الرئيس: إن هدى الآن تدربت على العمل معي وتعلمت, فهي تريحني.. وكان سعيدا بها).

ثم اقتربت هدى مني وقالت لي بصوت خافت: بابا تعبان وسينام!! فاقتربت من حجرة نومه ورآنى وقال لي: تعالي يا تحية.

فدخلت وأشار بيده وهو راقد على السرير أن أجلس.. فجلست على طرف السرير فسألني: هل تناولت الغداء يا تحية؟ قلت: نعم تناولته مع الأولاد.. فقال لي: أنا مش هاتغدى.. وأشار بيده أن أبقى كما أنا جالسة.. فبقيت حوالي عشر دقائق وهو راقد لا يتكلم.

وحضر الدكتور الصاوي حبيب فقال له الرئيس: ادخل يا صاوي فدخل، وقمت كعادتي عند دخول الأطباء له في الحجرة وخرجت إلى المكتب، فقال الدكتور: نريد عصيرا.. فذهبت وأحضرت عصير برتقال وليمون جهزته بنفسي بسرعة وحملتهما ودخلت له في الحجرة وقلت: هذا برتقال محفوظ وليمون طازج فقال: آخذ برتقال، وشرب الكوب وأنا واقفة وقال لي: متشكر, ثم خرجت.

وبعد دقائق حضر الطبيب الاختصاصي منصور فايز فقلت له بالحرف: أنت جيت ليه يا دكتور دلوقتي؟! أنا لما بأشوفك بأعرف إن الرئيس تعبان وبأكون مشغولة؟!.

فردَّ: أنا معتاد أن أحضر كل أسبوع في يوم الاثنين, واليوم الاثنين ثم ودخل للرئيس وبقيت جالسة في المكتب, استمع من الراديو لنشرة الأخبار من إذاعة لندن.

ثم جاءت ابنتي منى قالت لي: بابا بخير والحمد لله.. تعالى نخرج من هنا.. فجلسنا على الترابيزة في حجرة السفرة.

وبعد دقائق جاء الطبيب الاختصاصي وقال لي: الرئيس الآن تحسن, وإذا أردت الدخول له فلتدخلي.. وأخذ يدخن سيجارة, فقلت له: لا داعي لدخولي حتى لا يشعر بأني قلقة.

وبعد لحظات جاء الدكتور الصاوي يجري مسرعا قائلا: تعال يا دكتور.. ودخل الدكتور يجري، ودخلت لحجرة المكتب ومنعتني منى من الدخول لوالدها, وقالت: إن بابا بخير لا تخافي يا ماما، وأجلستني وجلست معي. وبعد فترة حضر دكتور آخر ثم ثالث.. فدخلت عنده ووجدت الأطباء بجانبه يحاولون علاجه.. وكنت أبكي وخرجت حتى لا يراني الرئيس وأنا أبكي، ثم دخلت له مرة ثانية وازداد بكائي وخرجت لحجرة المكتب.

ثم دخل عدد من السكرتارية، ثم حضر حسين الشافعي ومحمد حسنين هيكل.. وكل واحد يدخل الحجرة ولا يخرج منها.. وكنت أبكي.

فأصرت منى على أن أخرج إلى الصالة.. وكنت أمشي وأقول: جمال جمال!!.

ووجدت الكل يخرج وينزل السلالم فدخلت مسرعة.. رأيت حسين الشافعي يخرج من الحجرة يبكي ويقول: مش معقول يا ريس. وحضر خالد وعبدالحكيم في هذه اللحظة, ولم يكونا في البيت ولا يدريان شيئا، ودخلا مسرعين، وحضرت هدى وكانت لا تعلم بما جري بعد ذهابها لبيتها.

ودخلت للرئيس ووقفت بجواره أقبله وأبكيه، ثم خرجت لاستبدل ملابسي وألبس ملابس الحداد.

ونزلت مسرعة إلى الدورالأول ووجدت الأطباء والسكرتارية وهيكل وحسين الشافعي وأنور السادات الكل واقف في الصالون.

فقلت: لقد عشت ثمانية عشر عاما لم تهزني رئاسة الجمهورية ولا زوجة رئيس الجمهورية!! وسوف لا أطلب منكم أي شيء أبدا.. أريد أن يجهز لي مكان بجوار الرئيس لأكون بجانبه!! وكل ما أرجوه أن أرقد بجواره!!.

وخرجت إلى الصالة وجاء لي هيكل والدكتور الصاوي وطلبا مني أن أصعد للدور الثاني، ثم أدخلني الدكتور حجرتي وأعطاني بضع حبات دواء وظل بجانبي، ثم أعطاني حقنة.

وحضرت إحدى قريباتي وظلت معي، وجاء ابني عبدالحميد من إسكندرية ودخل وهو يبكي، وقال: لقد قالوا لي إن بابا تعبان وحضرت في طائرة، ودخلت هدى ومنى.. ولم أدرِ كم مضى من وقت.

ثم قمت لأخرج من الحجرة, فقال لي الدكتور: لماذا قمتي!؟ فقلت: سأذهب وأجلس بجانبه!! فقالت هدى: لقد أخذوه الى قصر القبة.

والآن أعيش المرحلة الثالثة من حياتي حزينة أبكيه.. وقد زاد حزني حسرة، وسأظل أبكيه حتى أرقد بجانبه في جامع جمال عبدالناصر بمنشية البكري.

وقد جُهز لي المكان كما طلبت.. إنه.. وهو في رحاب الله عظيم.. تاريخه وحده هو شاهده.