بفارق ساعات قليلة كُلمنا في الأردن بفقدان قامتين إعلاميتين، زاد من ضخامة فقدانهما أنهما رحلتا في زمن قلة فيه إلى درجة الندرة القامات الإعلامية التي يحتاج إليها بلدنا في معركته الحالية، بمواجهة حرب الإشاعات التي تستهدفه، أو بصموده أمام صفقة القرن، وكل أخواتها وبناتها، حيث صار يحتل جزء كبير من مشهدنا الإعلامي أدعياء مهنة، يؤجرون أقلامهم لمن يدفع أكثر، وهذا خطر يهدد وطننا من داخل صفه، ويجعل من خسارتنا مضاعفة برحيل طارق مصاروه وعبد الحليم عربيات.

علاقتي بالراحل عبد الحليم عربيات علاقة زمالة وصداقة بدأت رغم فارق السن بيننا منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي عندما التقينا تحت مظلة التلفزيون الأردني، الذي صار عبد الحليم فيما بعد مديره، بعد أن أفنى فيه أجمل سنوات عمره، وظل «عشه» الذي يأوي إليه كلما عاد من غربته، فمثلما عمل عبد الحليم في التلفزيون الأردني عمل كذلك خارج حدود وطنه، فقد كان الأردنيون ذات زمن رواد الإعلام في المنطقة، وأصحاب بصمات واضحة في إعلام الكثير من دولها، وقد كان عبد الحليم واحداً من هؤلاء الرواد، خاصة في مجال الأخبار فقد أمضى معظم سنوات عمره في تحريرها والتأكد من صحتها ودقتها، ليقدم لمن يستمع إليها عبر شاشة التلفزيون الأردني وجبة صحية من المعلومات، تخرج من بين يدي طهاة مهرة أمثال عبد الحليم عربيات رحمه الله وعبد الحميد المجالي أطال الله عمره وآخرين من فرسان العمل الإعلامي الذين صنعوا لبلدنا مكانة مرموقة ومجداً لا يدانى على خارطة الإعلام على مستوى المنطقة.

رحل عبد الحليم عربيات بهدوء وصمت كما عاش هادئاً خلوقاً يرضى بدور الجندي المجهول الذي يصنع النصر ويترك لغيره طبول فرحتها رحمه الله وجبر صوابنا بفقده، وفقد الأستاذ طارق مصاروه الذي رحل بعده بساعات، وكأنما شاء القدر أن يربط بينهما في مماتهما كما ربط بينهما في حياتهما، فكلاهما أبناء المؤسسة الإعلامية الرسمية، وكلاهما يكمل كل منهما الآخر مهنيا، فمثلما كانت وظيفة عبد الحليم عربيات تحرير الخبر والتأكد من صحته، فقد كانت مهمة طارق تحليل الخبر وقراءة ما وراء سطوره ليقدم وجبة دسمة اعتاد عليها الأردنيون كل صباح، قبل أن يتوقف عن تقديمها في الآونة الأخيرة بسبب ظروفه الصحية رحمه الله.

كان آخر لقاء لي مع الأستاذ طارق مصاروه رحمه الله في مكتب معالي سامي قموه حيث دخل علينا الأستاذ طارق بهيئته المعروفة وعندما قبلت وجنتيه وسألته «أخبارك عمي» أفاض في حديث الذكريات وأين كنا وأين صرنا؟ ثم أفاض في الحديث عن علاقته بأبي، فقد عملا معاً في وزارة الإعلام وفي الإذاعة الأردنية، ثم جمعتهما جريدة الدستور، وقد نشأت بينهما علاقة صداقة وأخوة قوية رغم ما بينهما من فروق في الاتجاهات الفكرية، لم تؤثر على علاقتهما الإنسانية ولا على توحدهما في خوض كل معارك الوطن بالكلمة والقلم، فإلى رحمة الله أيها الفارسان من فرسان الإعلام، وعوض الله بلدنا عنكما بمقاتلين بالكلمة المنتمية لوطننا التي هي أحد أهم مكونات القوة الناعمة التي يحتاجها في هذه المرحلة من تاريخه.

Bilal.tall@yahoo.com