نستحضر ما حدث قبل اسبوعين في اجتماع مجلس الأمة المشترك لحسم الجدل حول تعديلات قانون (الأحوال الشخصية) فينتابنا شعور بالأسى لكننا لا نقبل لانفسنا أن (ننفعل) بغضب وتشنج ينتهيان إلى القنوط والإحباط ففي (اللعبة البرلمانية) كان ذلك متوقعاً منذ اللحظة الدرامية التي دخلت فيها دائرة قاضي القضاة إلى (الموقعة) المحتدمة بصخبها في الصحف قبل دخولها إلى أروقة مجلس الأمة، فهي من قبل ومن بعد دائرة حكومية والحكومة نفسها هي التي تقدمت بالتعديلات المختلف عليها لتثبيتها في قانون دائم بعد ان طبقتها كقانون مؤقت منذ 2010 بسلاسة وارتياح (بيّض) وجهنا أمام مجتمعات العالم المتقدم !

كما لا نقبل لانفسنا حتى لو بدا أن فئة منا انتصرت على فئة اخرى واذاقتها مرارة الهزيمة أن (نفتعل) رداً على ذلك معركة داخلية اخرى حامية فمن المعارك المحدقة بنا ما يكفينا ويجعلنا نخجل من أنفسنا لو شُغلنا بسواها !

صحيح أننا عشنا زمنا طويلاً كنا نتحمل فيه بسخرية رؤيةَ كهلٍ أو طاعن في السن يعقد نكاحه على (طفلة) اشتهاها فاشتراها بمهر سال له لعاب وليّ أمرها لكن هل صحيح أن نبقى صابرين كاظمين الغيظ زمنا آخر طال او قصر ليتكرر امامنا هذا المشهد المأساوي المقزز ونقبل باستمراره لعقود اخرى فوق التي مضت منذ تبنيْنا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ووقّعْنا على مواثيقه وعهوده الخاصة بالمرأة وفيها ما يتعلق بسن الزواج وتحريمه على الطفلة التي لم تبلغ الثامنة عشرة من العمر وكنا على وعي كامل بأنها تسبق تشريعاتنا القائمة وتعلو عليها عند التطبيق؟!

وحول التعديل الآخر المتعلق بالوصية الواجبة، لقد عشنا أيضاً زمنا طويلاً لم نكن نكترث بالتمييز في توزيع التركة بين ورثة (الابن) المتوفى وورثة (البنت) المتوفاة إلا ونحن نرى ظلماً مباشراً يطال من نحب ونعرف من الأحفاد فلذات كبد الجد الحنون بقصرها على ابناء (الابن) المتوفى وحرمان ابناء (البنت) المتوفاة ! فلماذا نقبل ان نغض الطرف ونبتلع مرارة هذا التمييز زمنا آخر بدل أن نعد انفسنا لمواجهة اخرى مع من رقصوا قبل أيام فرحين بتثبيته وتأكيده كما فعلوا قبل ما يقرب من ثلاثين عاماً حين انتهزوا (!) فرصة اللعبة الديمقراطية اثناء البرلمان الحادي عشر فعدّلوا مادة كانت تعطى للانثى مثل حظ الذكر في ميراث الأراضي الأميرية المملوك للأفراد وكانت عادلة مقسطة صُكَّت (في المجلة !) اثناء الخلافة العثمانية قبل مئات السنين، وقد خططوا لذلك في غفلة من الآخرين القلقين على مصير الوطن من المؤامرات التي تحاك حوله او من داخله والمنشغلين بجد واهتمام بالعمل من أجل الديمقراطية ورفع الحجر المفروض على العمل الحزبي والسياسي ومن أجل حرية التعبير والرأي!

وبعد.. نعم ننأى بانفسنا عن الانفعال، ثم لا نرضى بافتعال خصام آخر قد يحرفنا عن أهداف أهم وأكبر، لكن.. ينبغي ألا نلوذ بالصمت!