الأوساط السياسية والثقافية والإعلامية منشغلة بالحديث عن عنوان لأمر مجهول أو غير مكتمل تحت عنوان «صفقة القرن» وتحت هذا العنوان تكتب المقالات، وتعقد الندوات، وتدور الأحاديث، وتؤلف المواقف، وتصدر الاتهامات، وكلها أحاديث في واد، والواقع في واد آخر، أقصد الواقع الذي نعيشه في بلدنا، والأولويات التي تهمنا، وأحوالنا التي تفرض تحدياتها علينا!

من باب الوضوح والتوضيح لا شيء يمنع من الحديث عن صفقة القرن، ومستقبل المنطقة والعالم، ولا عن التشكيل والتعديل الحكومي، والتغييرات والتعيينات في المناصب العليا، ولكن ما هي الفائدة لكل هذه الأحاديث، ومدى انعكاسها على شؤوننا الداخلية، وأزمتنا الاقتصادية والاجتماعية، ومشاريع الإصلاح الشامل التي لم تعد أولوية في أحاديثنا واهتماماتنا الوطنية؟

أحاديث المجتمع مؤشر مهم على طبيعة توجهاته، وهنا يكمن دور ومسؤولية قادة الرأي من سياسيين واقتصاديين ومفكرين ومثقفين وإعلاميين وحزبيين وغيرهم، في توجيه النقاش نحو ترتيب بيتنا الداخلي، وذلك لا يعني القطيعة مع القضايا الخارجية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمصيرنا، ومصير المنطقة التي نحن جزء منها، والقضية الفلسطينية على الأخص، ولكن ما فائدة ذلك كله إذا لم نهتم بواقعنا السياسي، وما يتصل به من قانون انتخاب مناسب للمرحلة التي نمر فيها، وبالأحزاب التي ما تزال على كثرتها عاجزة عن إعادة تشكيل ذاتها ضمن تيارات وطنية واضحة ومحددة؟

وما أهمية الحديث عن أزمتنا الاقتصادية من باب التذمر والريبة والشك، ونحن نتحاشى المصارحة بشأن تغيير عاداتنا الاستهلاكية، والتقشف على جميع المستويات، خوفاً من النقد والتجريح، حتى بتنا نعتقد أن الحل يأتي من عند الحكومة أو لا يأتي، مع أننا ندرك بأن عناصر الأزمة عديدة ومتشعبة، وأن جانبا منها يقع على المجتمع كله، يتصدى لها من خلال التضامن والتكافل وترشيد متطلبات الحياة وتنظيمها.

لا أسمح لنفسي بالتنظير أو المزايدة على أحد لا سمح الله، ولست بمعزل عما يخوض به الناس، ولكنه مجرد سؤال أطرحه على ذاتي، وأطرحه على القارئ، لعلنا نصعد إلى الجبل!