من المعيب أن يموت الكاتب ولا يكتب أحد عنه، فالكاتب مثل الدستور يوضع لتنظيم فقه الدولة ولكن لا أحد يحفظه، ثم إذا ما أحتاجه القوم يعودون للإستشهاد به واستخدامه لتصريف أفعالهم، ففيه الخصام وهو الخصم والحكم، فكم من قامات وطنية أسست بطريقة أو أخرى تاريخ الوطن السياسي ثم رحلت الى طريق المقابر وقليل من يتذكرونها أو ينثرون المراثي على طريقها، واليوم نودع عميد كتابنا «الوطنيين» الأستاذ العملاق طارق مصاروه في الجمعة الحزينة.

كان يوم الخامس من حزيران 2017 هو آخر عهد صحيفة «$»، قطب الصحافة الأردنية الأكبر، بالمقال الأخير لأبي علي، الذي حمل حينها عنوانا التفافيا على العادة، فالمقالة حملت عنوان «جباية» وللوهلة يظن القارئ أنه يجلد حكومة الملقي الثاني الذي حمل إزميلا ليحفر طريق قانون الضريبة الجديد، ولكن ابو علي الأصيل، كان يدافع عن الوطن بطريقة أخرى، ويقدم مقارنة بين دافعي الضرائب الإنكليز عن علب السجائر، وبين الرواية الأردنية عن الضرائب التي يسمونها جباية.

لم يكن طارق كاهنا، بل كان قوميا عربيا أردنيا شاميّا وصفيا بدويا يتنسكّ في صومعة الدولة الأردنية، وكاتبا منتخبا باقتراع أعين القرّاء، مدافعا عن الدولة الأردنية وقيمها وتاريخها ومستقبلها، وتعلمنا عبر حروفه مذ كنا طلابا كيف يلعب الكاتب النحرير بكلماته كما يلعب السياف بسيفه بين رقاب الكلمات وأجساد الجُمل والكلمات، وحينما ذهبنا الى صحيفة «صوت الشعب» الذي لم يعد له صوت، كان قد غادرها منذ سنتين رئيسا للتحرير، وعاد الى الصحيفة الأم «$» كاتبا لا يقبض سوى راتبه، فمقالاته ممنوعة من الصرف في بنك الفواتير العامة للمصالح الخاصة،ولا ينتظر التحويلات البنكية الخارجية مكافأة له لطعن وطنه بخناجر الغدر.

في ذلك الزمن والصبا الجميل، الكل يستشهد به، الأساتذة عبدالسلام الطراونه و هاشم خريسات وسلامه العكور، وفي «$» يأنسون لرأيه في حضرة محمود الكايد وسليمان عرار رحمهما الله وراكان المجالي وسليمان القضاه وغيرهم، ولكن العبارة البارزة دوما في سيرة طارق مصاروة كانت دائما «هذا من مدرسة وصفي التلّ»، ولكن اعتقد أنه كان أردنيا خالصا تلاقت صفاته ووصفاته مع المدرسة الوطنية العريقة لأهل هذه البلاد الأردنية الشمّاء، فبرّز فيها.

أكتب هنا، لا لأكفر عن ذنبي بتقصيري فحسب، بل لأجلد ذاتي التي صمتت عن كثير من الثعالب المارقة في الشارع الأردني التي أتخمت عبر شارع الصحافة على حساب المهنة والشرف الصحفي، أو تسلقت المناصب بحبل من التزلف والذيلية وتأبط قصاصات النميمة، فنسّيت رصيف الشارع الذي كانوا ينامون عليه عراة، وبقي طارق وصحبه أقمارا وضاءه يهدون القراء الى طريق الوطن.

أعتذر لروحك يا أبا علي، فآخر لقاء لنا كان في حضرة الملك قبل توقف أصابعك عن الكتابة بأشهر، وكنت تحدثني عن أشجار اللوز والزيتون العتيقة في بستان الكمالية، الكمالية التي تحتضن مثوى الشهيد الحيّ وصفي التل، فإلى روحكما السلام يا ابن العم.. وقلمك لم يمت.

Royal430@hotmail.com