أحمد الشيخاوي

كاتب من المغرب

استطاع القاص العراقي علي السباعي إخراج السرد العربي من كلاسيكيته، والتأسيس لمنظومة مفاهيمية جديدة تخلخل قناعاتنا ومجمل ما تنشدّ إليه الذاكرة العربية، كونه أفلح في إذكاء الذائقة والوعي، ضمن الحدود التواصلية في الممارسة الإبداعية الرصينة، باعتماد هذا النوع التعبيري (القصة)، الأكثر شعبية واتّساعاً، ووُفّق في انتشال تركيبة من المعارف والفنيات، إلى آفاق أرحب للكتابة وترجمة المكنون.

إنه فكاك نوعي وموضعي، من مأزق قشيب السرد وقواعده المرتكنة إلى أسّ عقلي رجعي وماضويّ، منزوٍ ومغلق بالتمام، يرفض الانفتاح كشرط أساسي للخدمة الإبداعية، على نطاقٍ إنسانيٍّ لامّ.

نقرأ للسباعي في موضع من مجموعته «بنات الخائبات» قوله: «أثناء ذلك حضر جنوده، وجوههم واحدة، أشبه بلوحة (جمهور بلا وجوه) للفنان (تسونهيسا كيموا)، برفقتهم فتاة ترتدي عباءة سوداء فوق بدلة زفافها يحيط بها الجنود مثل إحاطة الغيوم بالبدر، سألتُ ذات يوم جدّتي لأمي: لماذا ترتدي العروس ليلة زفافها بدلة بيضاء؟. قالت جدتي: الأرواح الشريرة تحلّق ليلة الزفاف بكثرة فوق رأس العروس، لذا ترتدي العروس بدلة بيضاء تطرد بها الأرواح الشريرة لكون الأرواح الشريرة تخاف البياض».

ومن نظير هذه الأسلوبية، وانبثاقاً عنها، تتوالد وتتناسل دوالّ معنى المختلف، في الكتابة السردية لدى السباعي. معانٍ تزلزل وعيَنا وتفكّكه في جملة ما حقنتنا به الرؤى العميقة، لقصص ضاربة في متون الأرشيف القصصي العربي، على اختلاف خطاباته وتنوعها، مقدّسة كانت أم رمزية أم قائمة على الاصطدام الحضاري، في دورته الفلكية، وكذلك زخم التعالق والتواشج مع التجارب الإنسانية الأخرى، ومن ثم رفد التاريخ الجمالي والأدبي المعرفي تبعاً لتعاقب الحساسيات والأجيال وتواليها.

في مدينة عريقة كبغداد، ووطن عروبي كالعراق، لا معنى للبياض الأليَق بأعياد التاريخ العربي في ذبحاته المكرورة، وأعياد نزيف إنسانية الكائن وانكسار هويته، عند عتبات الأيديولوجية المنقوشة بغطرسة الطغاة، سوى ذلك المعنى المتسامي بالبياض، درجات في الغيب والجنائزية والغرائبية، المُشعْرِنة للواقعي، تماماً كما يحصل مع السباعي وثلة من طينته، سواء بين المجايلين له أو ممن سبقوه، أو في سرب مَن يجدفون وفقاً لتيار القصيدة الحداثية التي وهبت نفسها لما راح يدعى «ميليشيا الثقافة» في تمجيد رهيب للخراب، ونضال مستعر ضد راهن الدموية والفوضى والاضطراب.

نقتبس للسباعي من موضع آخر، من مجموعة «زليخات يوسف»: «تخلصت مريم حبيبتك من ذاتها.. فرديتها.. وتوحّدت معك.. خرجت ذاتَها لتدخل بذاتك.. غادرت حبيبتك ظمأها إلى ارتوائك، إلى وجودها المليء بك... لهذا أصبحت كما يصفك ابن عربي.. لكنهم كانوا يرددون دوماً: لا يهم لون القط ما دام يصطاد الفئران.. من يومها وأنا أغنّي على ليلاي، ولم آخذ ثأرها ولا ثأر جدي، وتفرّق دمها، وضاعت هيبتها أمام أنفسنا قبل أن تضيع بين بطون وأفخاذ القبائل».

باعتماد تقنيات وميكانيزمات كهذه، تكتمل خيوط اللعبة السردية لدى علي السباعي، ككاتب واعٍ بقوانين الراهن وقيوده وإكراهاته، وكذاتٍ في ظمأ سرمديٍّ لينابيع الموروث، بحيث لا يكفّ ينهل من عوالم الموغل في الذاكرة، ليستثمره متوسلاً خطاب الانغماس في كتابة نوعية تحتفي بالبياض وترسم عوالم للمعنى الشارد أو الهارب.