جرش - فايز عضيبات

يثير موقع البركتين الشهير الذي ينتهي الى شمال المدينة الأثرية في جرش، الكثير من الحزن لما آل إليه من تردٍ وهجران وتركه لعبث العابثين دون أدنى التفاتة تعيد إليه الحياة كموقع اثري ومتنفس في غاية الجمال، من خلال استغلاله واعادة تأهيله ووضعه ضمن المسارات السياحية لزوار المدينة الاثرية.

و«البركتين» موقع يعود حسب التنقيبات الاثرية الى القرن الميلادي الثالث وهي فترة ازدهار الدولة الرومانية وهما عبارة عن بركتين مفصولتين كانتا تستخدمان للاستجمام تزید مساحة الواحدة منهما على 1500 متر مربع تحیط بهما مدرجات بنیت من الحجارة من الجهات الأربع، ومازال يحتفظ بكافة مواصفاته القديمة ويوجد بهما مسرح وحمامات رومانية بحالة جيدة.

يعاني الموقع الذي يبعد عن الباب الشمالي للمدينة الاثرية فقط نحو 2 كم من الاهمال فقد اعتاد مواطنو المحافظة إلى وقت غير بعيد على قضاء أوقاتهم في هذا الموقع الساحر والاستمتاع بمياهه المتدفقة من باطنه لا سيما بعد انقضاء فصل الشتاء وبداية الربيع في المواسم التي تشهد سقوط الامطار بكميات كبيرة كما في هذا الموسم، وكانت قبل نحو شهر امتلأت بركتاه بالمياه ولكن الان انحسرت المياه واصبحت البركتان مليئتين بالطمي والاوساخ فهو يمر بحالة سيئة واصبح اقرب الى مستنقع للمياه الآسنة ولا ترى فيه الا البؤس والحزن والهوان بسبب عدم الاكتراث.

ويعد الموقع فريدا من نوعه، ومن اكبر المجمعات الترفيهية المائية في الامبراطورية الرومانية الشرقية، وفق خبير سياحة واثار ومدير مركز دراسات العهد القديم يوسف زريقات، ويعود لبداية القرن الثالث الميلادي، وقد استخدم قديما من قبل سكان المدينة للاستجمام، وتم ترميمه قبل سنوات وتم وضع مظلات ومقاعد حجرية لخدمة المواطنين لكنه ترك للعابثين الذين أجهزوا عليه ونهبوا المظلات وكسروا المقاعد الحجرية.

وعن الوصف المعماري للمسرح الموجود في الموقع، انه بناء تم تشييده بشكل نصف دائري على المنحدرات الغربية المطلة على البركة واستخدمت فيه الحجارة القاسية الجيرية المتوفرة في المنطقة، وبني على منحدر صخري كامل ويتالف من طابق واحد يحتوي على اربعة عشر صفا من المقاعد الحجرية ويرتفع كل صف عن الاخر مسافة 45 سم وعمق المقعد 75 سم ويخترق المدرج خمسة ادراج شعاعية وترتبط مباشرة بارضية الاوركسترا ويتم الوصول الى بسطة الصف الاول من المقاعد والتي يبلغ عمقها 1,10م عبر اربع درجات ومنها الى الادراج الشعاعية الجانبية والوسطية وكل درج منها يحتوي على 28 درجة وعرض الدرج 65 سم وبعمق 28 سم وبارتفاع 22 سم ويتسع المدرج الى 300 شخص .

والاوركسترا بناء نصف دائري وقطرها 11,60 م ومغطاة بقطع الحجارة غير المشذبة ولكنها ذات اسطح مصقولة ويمكن الدخول اليها عبر مدخلين متقابلين من الجهتين الشمالية والجنوبية، اما جدارها النصف دائري فيرتفع 1,70م عن ارضيتها كما يبلغ طول منصة المسرح نحو 21,70 م وبعرض 4,60م وارتفاع 1,60م وتمت زخرفة الجدار الامامي لمنطقة المسرح والمطلة على المدرج بثلاث حنيات ذات أسقف نصف دائرية قطرها 49 سم وارتفاعها 70سم ويتم الصعود اليها من خلال درجين من الناحيتين الشمالية والجنوبية . وللمسرح مدخلان على الواجهة الشرقية عرض كل منهما نحو مترين .

الدراسات الاثرية المتعلقة بمدينة جرش لا يوجد فيها ما يشير الى الاسم الحقيقي لهذا المسرح وعلى ما يبدو ان اصل التسمية عربي ، حيث ان الباحثين امثال شوماخر 1889 وفيشر 1931 ولانكستر 1967 وبراوننيغ 1982 وغيرهم اشاروا جميعا لهذا الموقع باسمه العربي ووجود البركتين والمسرح في نفس الموقع هو الذي دفع الاثريين الى تاكيد هذه التسمية خاصة مع غياب أية دلالات كرموز او نقوش تشير الى اسمه وغاياته .

وقد عثر على نقشين عند نهاية قواعد الاعمدة تعود بشكل مؤكد الى نهاية القرن الثاني وبداية النصف الاول من القرن الثالث الميلادي ونقش ثالث عثر عليه على عمود في الجهة الشرقية من البركة ثبت عليه تاريخ الاعمدة الى جانب البركة وهو 209ـ 211 م حيث تشير الدراسات الى ان المسرح انشئ في نفس الفترة تقريبا وتم العثور على عملة رومانية تغطي الفترة من القرن الثالث وحتى السادس الميلادي .

وكانت وزارة السياحة والآثار قد طرحت موقع البركتين للاستثمار للمرة الاولى قبل عدة اعوام وفشل المستثمر بادارته واعادت الوزارة الاعلان عن استثماره من جديد قبل ايام بشروط قاسية من الصعب على أي مستثمر تحقيقها الامر الذي سيبقى يراوح مكانه دون الافادة من هذا الكنز الاثري ذي القيمة التاريخية العظيمة .

ان هذا الموقع الفريد جراء ما آل اليه بحاجة الى خطة إنقاذ مما هو فيه وهذا الامر يحتاج الى تضافر جهود كافة الجهات من وزارة السياحة وبلدية جرش والمواطنين والزوار والقطاع الخاص ليعود اليه القه وحيويته.