كتب - ناصر الشريدة

وسط ضجيج المركبات وازدحام الشوارع، تغيب عن بلدات الريف الاردني خطط حكومية، تمهد لاقامة مجمعات سفريات عبر بوابة وزارة النقل وهيئتها والبلديات مجتمعة، بعد ان اصبح في كل بيت سيارة بحدها الادني.

ويعيش لواء الكورة منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي الى اليوم حالة مطلبية تسود ساكنية، باعادة احياء فكرة مشروع اقامة مجمع سفريات بديرابي سعيد، التي طرحت في عام (1946م) من رئيس البلدية والمخاتير مع تشغيل اول حافلة على خط الكورة اربد، تفاديا لمشاكل مرورية تأخذ بالاعتبار ترسيم الشوارع الرئيسية والتنظيمية بسعات تتحمل تضخم اسطول النقل المتزايد مستقبلا.

ويقول نائب رئيس بلدية ديرابي سعيد الجديدة محمد ادهميش بني سلامه، منذ ان نشأنا على هذه الارض، ونحن نسمع عن فكرة اقامة مجمع سفريات بديرابي سعيد، ينظم حركة النقل بلواء الكورة، ويخلق مئات من فرص العمل، من سواقين وبائعين، الى جانب توفير اماكن انتظار آمنه للركاب تلغي ظاهرة الانتظار على جوانب الشوارع.

ولم تختلف وجهة نظر مديرة فرع هيئة النقل في محافظة اربد المهندسة رولا العمري مع عامة المواطنين في تأكيد ان لواء الكورة بحاجة ماسة الى تنفيذ مجمع سفريات بديرابي سعيد اليوم قبل غد، يخدم سكانه الذين يتجاوزون الـ(182) الف نسمة، وان الهيئة باربد نسبت منذ خمسة اشهر الى الادارة العامة بعمان ومنها لوزارة النقل بهذا الشأن، بعد ان وجدنا تعاونا من بلدية ديرابي سعيد الجديدة بتوفير قطعة ارض مناسبة لا تقل عن خمسة دونمات.

ويروي الحاج حكمت احمد شلاش الشريدة حكاية نشأة النقل بالكورة، منذ ان تم تأسيس اول شركة، من قبل المرحوم نجيب عبدالقادر الشريدة بمشاركة المرحومين حمزة محمد سعيد الشريدة وعبدالله رشيد الشريدة وعلي عبدالرحيم العمايرة، حيث تم شراء اول باص بحمولة (25) راكبا وتسييره الى اربد، بقيادة السائق الفذ المرحوم على الوادي من بلدة زوبيا.

وكان اهالي الكورة حسب الشريدة يطلقون على الباص تسمية «باص كندي»، الذي كان ينطلق صباحا من بلدة جديتا اقصى جنوب اللواء مرورا ببلدات كفرابيل وكفرعوان وبيت ايدس وكفرراكب والاشرفية وكفرالماء وصولا الى ديرابي سعيد، ثم يغادر الى بلدات سموع وجنين الصفا وديرالسعنة وبيت يافا الى اربد، بكامل حمولته من الركاب، عبر طريق ترابية ضيقة في اغلب الاجزاء، وتستغرق زمنا طويلا لقطعها.

ويقول ابو علي الفقيه، ان شركة باصات الكورة تعد اول شركة على مستوى اقليم الشمال انذاك وسبقت كل المناطق، خاصة بعد ان تأسست شركة جديدة عام (1947م) تعود ملكيتها للمرحوم عبدالله كليب الشريدة وبمشاركة كل من علي جبر الشريدة وفالح ابو مسرة وصلاح جويعد، حيث تم شراء باص نوع جورمن بمبلغ ستة الاف دينار، وكانت اجرة الراكب بـ(27) قرشا، في حين كان مردود الباص السنوي قرابة (1600) دينار واجرة السائق (30) دينارا والكنترول (4) دنانير شهريا.

ورغم استمرار تأسيس شركات الباصات في محافظة اربد مطلع خمسينيات القرن الماضي، وفق محمود البوريني، الا ان الكورة حافظت على تفوقها في تطوير اسطول النقل، وبدء شراء سيارات الركوب الصغيرة، ومقابل ذلك عجزت الى اليوم عن توفير مجمع سفريات ينظم هذا الاسطول الذي اصبح كبيرا وممتدا الى كافة مناطق الاردن، دون وضوح لمبررات هذا الغياب.

ويقول الحاج محمد ونس العمري من بلدة كفركيفيا، ان عصر الخمسينيات من القرن الماضي شجعت الالوية المجاورة للواء الكورة بتأسيس شركات باصات عمومية لنقل الركاب، حيث تم تأسيس شركة بالحصن تعود ملكية للرشدان وفي الطيبة تعود ملكيتها لـ محمد الباتع وفي كفرأسد تعود ملكيتها لـ طايل العمري، وبقيت هذه الشركات عاملة الى عام (1976م) الى ان فتحت الحكومة عام (1979م) الباب لكل بلدة التقدم بطلب ترخيص شركة خاصة بها، عملا بمنظومة القوانين التي صدرت بهذا القطاع.

وحسب باحثين، ان بلدية اربد انذاك حددت للباصات مواقف لها، دون ان تطلق عليها تسمية مجمعات سفريات، فكانت تصطف جميعها في شارع الهاشمي، وتنتظر الركاب الذي قدموا بها صباحا، لا سيما انها كانت تقوم يوميا برحلة واحدة ذهابا وايابا، علما ان هذه الباصات كانت تُسير الى مكة المكرمة في مواسم الحج.

ويحكي الحاج محمد امين السباعي، ان الباصات حين كانت تصل الى اربد يذهب ركابها كل في اتجاه للحصول على تلبية احتياجاته من المواد الغذائية والاقمشة، ويمكثون ساعات طويلة بعد الشراء بانتظار رحلة العودة، وينتهزون الفرصة بالتعرف على اشخاص لهم نشاط اقتصادي او اجتماعي، ويقيمون معهم علاقات ادت الى تنمية مناطقهم تجاريا.

وبعد ان انشئت جامعة اليرموك بمدينة اربد عام (1976م)، زادت فكرة تنفيذ مجمع سفريات بديرابي سعيد بشكل غير مسبوق، لتنظيم حركة نقل الركاب خاصة الطلبة والموظفين من الكورة الى اربد، الا انها بقيت رهينة التجاذبات المحلية حتى اصبحت مشكلة قديمة حديثة تبحث عن حل.

ونتيجة لتوسع الحكومة الاردنية في تقديم خدماتها للمواطنين واستحداث الوظائف الملبية لاحتياجاتهم في الجهازين المدني والعسكري، اصبح النهوض بتطوير قطاع النقل بلواء الكورة مطلب كل مواطن، حيث بلغ عدد الحافلات العمومية المسجلة حتى مطلع العام 2001م قرابة (65) حافلة.

ويبين رئيس مجلس محافظة اربد الدكتور عمر المقابلة، سعي المجلس لبلورة تصور عملي بانشاء مجمع سفريات بديرابي سعيد، وان اعضاء المجلس عن الكورة يحملون هذا المطلب بكل جدية لاعتبارات خدمية، في الوقت الذي اشار فيه عدد من المواطنين على المجلس، ان يتم مطالبة وزارة الاوقاف / مديرية الاستثمار الوقفي باستئجار قطعة ارض تقع بمدخل بلدة ديرابي سعيد الشرقي بمساحة (12) دونما صخرية لهذه الغاية، اما عن طريق بلديات اللواء الثلاث او مستثمر.

وتعاني الطالبتان بجامعة اليرموك براءة بني سلامه والاء مقدادي، من مسلسل الانتظار اليومي لباصات بلداتهن التي تقترب من النصف ساعة حتى يتمكن من الظفر بمقاعد للجلوس عليها واللحاق بمحاضراتهن، واحيانا تتأخرن عن دوامهن، اذا بلغت الازمة عليائها، وهذا يُقاس على الكثير من المواطنين وبالاخص الاناث سواء المستخدمين للباصات العمومية او السرافيس التي تعمل في اطار بلدات الكورة.

ويتذكر عدد من المواطنين، ان باصات زمان اول كانت تلتزم بالوقت ذهابا وايابا، وكان السائق حريص على عدم نسيان اي راكب ينتظره باربد، خلاف ما تراه اليوم من مزاجية السائقين بالانطلاق او التوقف دون ان يفكر ان الراكب في الباص وراءه عمل او دراسة، واجمل تعبير تسمعه من السائقين «من لا تعجبه قيادتي يشتري سيارة»، وخير شعار يُعلق في غرفة الباص «عشنا معا احلى اللحظات وبقيت لنا اجمل الذكريات».

وفي ظل غياب مجمع سفريات بديرابي سعيد، يؤكد السائق محمد بني عامر ان التوقف بالشارع الرئيسي بدير ابي سعيد او على تقاطعات ومداخل البلدات، لغايات التحميل والتنزيل يسبب مشكلة واعاقة لحركة المركبات رغم اضطرار السائقين لذلك من اجل تحميل الراكب، لا سيما انه يتعرض في بعض الاحيان لتحرير مخالفة بحقه.

وترى المهندسة العمري أن انشاء مجمع سفريات بديرابي سعيد، هو في مرمى البلدية، ويتوقف على تأمين قطعة أرض مناسبة بمساحة لا تقل عن خمسة دونمات، وان الهيئة بالتنسيق مع وزارة النقل سوف تبذل جهودا كبيرة بهذا الاطار، بعد ان نسبت بضرورة اقامة مجمع سفريات باللواء.

وتخلص المهندسة العمري الى نتيجة مفادها ان حل الكثير من المشكلات المتعلقة بالنقل وعلاج الازمات المرورية على خط اربد / دير ابي سعيد، وتعزيز عمل السرافيس الداخلية، يتصل بوجود مجمع سفريات، وغير ذلك الامر قائم وسط معاناة المواطنين وتفاقم ازمة النقل.

وبين حقبتين زمنيتين، عاشها اهالي الكورة مع بداية عصر دخول المركبات في اربعينيات القرن الماضي الى بلداتهم، وبين وجود مركبة في كل بيت الان، يبقى مجمع السفريات عالقا، كما يقولون لا هو طالع ولا هو نازل، ويغنون والله زمان والله زمان حُبي ما بان وتركني وراح..؟!!