د. أمينة منصور الحطاب مستشارة نفسية وتربوية

ذهب الصديقان إلى الغابة يحتطبان؛ فعمل الأول بجد طيلة النهار بينما كان الثاني يعمل خمسين دقيقة ويرتاح عشراً في كل ساعة، وفي آخر النهار كانت كومة الحطب عند الثاني أكبر بكثير من كومة الأول الذي لم يتوقف عن العمل دقيقة واحدة فاندهش وسأل صديقه باستغراب: كيف احتطبت أكثر مني وأنت تأخذ قسطاً من الراحة في كل ساعة..؟! فأجابه: في وقت الراحة كنت أشحذ فأسي.. فكم واحد منا يشحذ فأسه في عمله؟ سؤال مهم يحتاج إلى وقفة تأملية.

يشير مفهوم الاحتراق النفسي - الذي يشمل الإنهاك العقلي والانفعالي والجسمي - إلى خبرة نفسية سلبية تعتري الفرد وتسبب له الكثير من المشاكل، إذ يعاني من مجموعة من الآثار السلبية كالتعب والإجهاد والشعور بالعجز وانعدام الحيلة وفقدان الاهتمام بالآخرين وعدم الرضا عن العمل، فيظهرالإنهاك المهني على شكل ضغط شديد ومتواصل لا يمكن تقليله بالطرق العادية، حيث نلاحظ اختلالاً في التوازن بين القدرات الشخصية والمتطلبات الخارجية الأمر الذي يجعل الشخص في حالة من الغضب تقوده إلى التعبير عن مشاعره بأسلوب عنيف وتهجمي أثناء أدائه لعمله.

وعلى الرغم من أن التعب أو التوتر قد يشكل العلامات الأولى للاحتراق النفسي إلا أن ذلك ليس كافيا للدلالة عليه لا سيما إذا كانت قصيرة الأمد، فالاحتراق النفسي يتصف بحالة من الثبات النسبي فيما يتعلق بالتغيرات السلبية كفقدان الاهتمام بالعمل، والسخرية من الآخرين، والكآبة، والشك في قيمة الحياة والعلاقات الاجتماعية بالإضافة إلى الشعور بالعجز وسوء تقدير الذات، هذا وتجدر الاشارة إلى أن الاستمرار في العمل لا يعتبر مؤشرًا لغياب الإحتراق النفسي فقد يستمر الفرد في عمله بالرغم مما يعانيه لأسباب منها: الراتب الجيد، وجود ضمان وظيفي، وفي أسوأ الحالات عدم وجود فرص للإلتحاق بوظائف أخرى.

ويشير الباحثون إلى وجود عدد من المؤشرات الأولية التي تدل على أن الفرد في طريقه إلى الاحتراق النفسي وهي: الاستعجال والانشغال الدائم في إنهاء القائمة الطويلة التي يدونها لنفسه كل يوم، فعندما يقع الفرد في شراك ذلك فإنه يضحي بوقته وعمله الذي يتواجد فيه جسدياً وليس ذهنياً وعادة ما ينجز مهامه بصورة ميكانيكية (آلية) دون أي اتصال عاطفي بمن حوله حيث أن ما يشغل باله هو السرعة والعدد وليس الإتقان والاهتمام بما بين يديه، ثم العيش حسب قاعدة «يجب وينبغي» ويترتب على هذه القاعدة زيادة حساسية الفرد لما يظنه الآخرين فيصبح غير قادر على إرضاء نفسه والآخرون من حوله, وكذلك تأجيل الأنشطة الاجتماعية من خلال الإقتناع بأن هناك وقتًا لهذه الأنشطة ولكن «فيما بعد» بحيث يصبح التأجيل القاعدة أو المعيار في حياته, وأخيرًا فقدان الرؤية أو المنظور بحيث يصبح كل شيء مهما وعاجلا وتكون النتيجة أن ينهمك الفرد في عمله إلى درجة يفقد فيها روح المرح، ويجد نفسه كثير التردد في اتخاد القرارات ويرتبط ذلك بما يعرف «بالإدمان على العمل»، إذ يصبح العمل المحور الأساسي في حياته وفي مركز اهتماماته الشخصية بصورة مخلة بالتوازن المطلوب.

يمثل الاحتراق النفسي مشكلة نفسية ذاتية وتجربة سلبية يعاني منها الفرد عبر سلسلة من الحلقات المتدرجة التي تبدأ بالضغوط النفسية والشد والتوتر وتتعاظم آثارها مع مرور الوقت إلا أن الفرد لا يصل إلى حالة الاحتراق النفسي بشكل مفاجئ بل هي نتيجة لسياق بطيء، إذ يأخذ الاحتراق النفسي مساراً يتطور عبر مراحل مختلفة ومتتابعة تتمثل في: مرحلة الحماس حيث يلتحق الفرد بمنصب عمله بآمال عالية وتطلعات غير واقعية، ثم مرحلة الركود التي يشعر فيها أن حاجاته المادية والمهنية والشخصية لم تشبع وأن الحوافز الداخلية للأداء الجيد ضعيفة، يليها مرحلة الإحباط التي تنتج بسبب غياب التعزيز الداخلي والخارجي الأمر الذي يجعل الفرد في حالة توتر واضطراب وفي مثل هذه الحالات يتساءل عن أهميته وفعاليته وعن دور جهوده المبذولة في مواجهة مختلف العراقيل المتزايدة، ثم يصل إلى مرحلة البلادة وهي حالة اللامبالاة أمام الوضع الراهن وحالة من عدم التوازن والجمود والركود وفي هذه الحالات غالبا ما يصبح العلاج النفسي أمراً ضرورياً.

ويشمل الاحتراق النفسي ثلاثة أبعاد تتمثل في: الإنهاك الانفعالي الذي يعد من مؤشرات عجز الفرد عن مواجهة المتطلبات الانفعالية للعمل نظرًا لعدم كفاية موارده الفردية في تلبية متطلبات مهنته، وتبلد المشاعر الذي ينطوي على اتجاهات سلبية حيادية منفصلة ومفرطة تجاه الآخرين، والشعور بالنقص في الإنجاز المهني وعدم القدرة على البذل النفسي وعدم الشعور بفعالية الجهد المبذول وبالتالي خفض الطاقة المسخرة لإنجاز العمل وحل المشكلات الوظيفية التي يتلقاها الفرد في محيط عمله.

إن البحث عن أسباب الاحتراق النفسي لا يختلف عن البحث في أسباب الضغوط المهنية وذلك من منطلق تشابه الظروف والخلفية التي ينمو فيها كل منهما علمًا أن شعور الفرد بالضغوط المهنية أو الضغوط النفسية في مجال العمل لا يعني بالضرورة إصابته بالاحتراق النفسي ولكن إصابة الفرد بالاحتراق النفسي هو حتماً نتيجة لمعاناته من الضغوط النفسية الناجمة عن ظروف العمل، وهناك شبه اتفاق بين الباحثين في ظاهرة الاحتراق النفسي حول الأسباب المؤدية إلى هذه الحالة فقد تؤدي الضغوط الداخلية والخارجية التي يتعرض لها الفرد إلى استنزاف جسمي وانفعالي من أهم مظاهره فقدان الاهتمام بالمهام المنوطة وتبلد المشاعر ونقص الدافعية والأداء النمطي للعمل ومقاومة التغيير إضافة إلى فقدان الابتكارية.

كما يشير الاحتراق النفسي إلى استنزاف الطاقة النفسية المخزنة عند الفرد مما يؤدي إلى شعوره باضطراب وخلل في التوازن الانفعالي يظهر نتيجة للضغوط النفسية الشديدة التي تسببها أعباء العمل ومتطلباته وتنعكس آثاره سلبا بشكل مباشر على الفرد والمؤسسة، ولا يمكن التخلص من هذه الحالة إلا من خلال التعامل المباشر مع العوامل البيئية المسببة لها وليس من خلال التركيز على دور الفرد في مسايرة تلك المواقف فقط.

ويرى الباحثون أن هناك طرقاً وأساليب عديدة ومختلفة تهدف إلى التقليل من الآثار السلبية للضغوط النفسية تتضمن جملة من الأنشطة والسلوكات التي تهدف إلى القضاء على مصادر الضغط وجعل الأفراد أكثر قدرة على التوافق معها، وكذلك التعرف على أنواع الضغوط التي تؤثر على حياة الفرد وبالتالي تصرفاته حيالها، كما أن هناك بعض الأمور التي تساعد الفرد على ذلك منها التخطيط الجيد لإدارة الوقت والتمرينات الرياضية وتبني فلسفة إيجابية تجاه الحياة والتوازن بين الحياة العملية والحياة الشخصية.

وعلى نطاق المؤسسات يتم التقليل من الضغوط النفسية من خلال تحديد ضغوطات العمل وتعديل سلوكيات الأفراد في ضوء مدركاتهم، ومساعدتهم على التوافق مع أثارهذه الضغوط بشكل فعال، كما ينبغي أن يتم تحسين البيئة المادية للعمل وإعادة تصميم الوظيفة للتخلص من ضغوط العمل والتقليل من عبئه, وإعادة الهيكلة الإدارية للمهام, وإحداث تغييرات في مواقيت العمل, واستخدام الإدارة بالأهداف والإدارة بالمشاركة.

Ameeneh@live.com