يتردد كثيراً في هذه الفترة، حيث بدأ «الربيع العربي» يأخذ زخماً جديداً في ضوء ما استجد في الجزائر وفي السودان، أنّ «الشعب هو مصدر الشرعية» والبعض يقول و«السلطات» أيضاً وهذا صحيح ومؤكد ولكن من خلال الهيئات والمؤسسات الدستورية وحقيقة أن هناك التباساً كبيراً بالنسبة لهذه المسألة فـ «الشارع»، حيث يكثر القول أنه هو الذي يقرر وأن القرار له حتى بالنسبة لاستبدال رئيس الدولة وغيره من كبار المسؤولين، هو الجماهير «المتظاهرة» والمحتجة التي لها مطالب ولها آراء ولكن القرار في النهاية هو للهيئات الشرعية المعنية.

هناك الآن، وتحديداً في الجزائر، «إختلاط» كبير بين الرغبة والمطالبات وبين القرار الذي هو للهيئات الدستورية القائمة كرئاسة الدولة وكالحكومة والبرلمان والمجلس الدستوري فهذا شيء و«الشارع» شيء آخر إذ أنه غير ممكن ولا يجوز أن تكون الجماهير المتظاهرة، التي تختلط فيها إتجاهات مختلفة وأحزاب متعددة ومجموعات وجماعات كثيرة لا رأي موحدا لها، هي التي ربما تستطيع إسقاط الحكومات لكنها لا يمكن أن تستطيع إختيار بدائلها لأنها لا يمكن وعلى الإطلاق أن تتفق ولو على الحد الأدنى في هذا المجال.

وهنا لنفترض أن الذين ما زالوا في مواقع المسؤولية سواء في الجزائر أم في السودان أم في أي بلد عربي آخر زاره «الربيع العربي» فأصبحت حاله كحال «ليبيا» وكأحوال غيرها من الدول العربية، قد استجابوا لمطالبات الشوارع وتنحوا جانباً وتركوا الأمر والقرار للمتظاهرين والمعتصمين الذين قد يجمعهم الصراخ وهز القبضات والمطالب..لكن عندما يجد الجد وتصل الأمور إلى «التفصيلات» فإنه لا يمكن إلاّ أن يختلفوا لأنهم من أحزاب ومن إتجاهات كثيرة ومتعددة.

ولهذا فإنه غير ممكن لا في الجزائر ولا في السودان ولا في أي بلد آخر أن تتخلى الهيئات والمؤسسات الدستورية عن مسؤولياتها وتترك الأمور لـ«شارعٍ» لا يمثل لا حزباً موحداًّ ولا توجهاً سياسياًّ واحداً ولذلك فإن النتيجة ستكون الفوضى وسيكون التذابح والحروب الأهلية وهذه تجارب التاريخ متوفرة وكثيرة وحيث ما لبث هذا «الشارع» أن أصبح شوارع كثيرة ودبت الفوضى في البلاد وعلى غرار ما كاد يحصل خلال ما سُمي العشرية السوداء في الدولة الجزائرية العزيزة فعلاً التي كان من الممكن أن تمزق البلاد والعباد وتؤدي إلى تذابح مرعب ولسنوات طويلة وما قد يحصل الآن في «الجماهيرية» الليبية.

وعليه ومرة أخرى فإن «متظاهري» الشوارع، الذين هم من أحزاب متعددة ومن مشارب سياسية مختلفة قد يتفقون على هتافات موحدة وعلى شعارات متماثلة ومتقاربة لكن عندما يجد الجد وعلى إفتراض أن الهيئات الدستورية القائمة ستتنحى جانباً فإن «كل شاةٍ ستصبح معلقة من عرقوبها»، كما يقول المثل العربي، وإن الشارع سيصبح شوارع و«زواريب» وأن النتيجة ستكون حروباً أهلية قد تكون نهايتها مدمرة وقد تصبح بلا أي نهاية عقلانية.