كتب - المحرر السياسي

يبدو الانقسام الغربي بشقيه الأوروبي والأميركي حيال ما يجري في ليبيا, وبخاصة بعد اندلاع «معركة طرابلس» بين حكومتي بنغازي برئاسة عبدالله الثني, ويتصدّرها الثنائي القوي عقيلة صالح رئيس برلمان طبرق والمشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني, وحكومة الوفاق المُشكّلَة وفق اتفاق الصخيرات قبل اربع سنوات, والمُنبثقة عن المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج ورئيس مجلس الدولة التابع لها خالد المشري، يُشير(الانقسام الاوروبي الاميركي) الى اختلاف وصراع للفوز ببعض الكعكة الليبية, التي يصعب القول أن احداً من الدول الاوروبية وبخاصة فرنسا وايطاليا يُضاف اليهما تحديداً المانيا وبريطانيا, تماماً كما هي الآن الولايات المتحدة التي انحازت مُؤخراً الى جانب المشير حفتر, يستطيع الزعم انه فاز او امتلك هذه الكعكة او جزءاً منها على نحو نِهائي (دع عنك روسيا) وإن كان النفط الليبي واصَل تدفّقه على عواصم الغرب, وتم ترصيد عوائده في البنوك الاميركية على وجه الخصوص. ولم يكن الخِلاف المُعلن الذي شاهده العالم عبر أروقة مجلس الامن بجلساته المغلقة وتلك العلنِية, ومواقف هذه الدول من مشروع القرار البريطاني المدعوم ألمانِياً والذي يُحمّل المشير حفتر مسؤولية الهجوم على طرابلس.

ثلاث دول أوروبية هي بريطانيا، المانيا وايطاليا تقِف حتى الآن, موقفاً موحداً ازاء ما يحدث وتُبدي عطفاً على حكومة طرابلس برئاسة السراج، وإن كانت أسبابها مختلفة, إذ تبدو بريطانيا التي شارَكت في غزو ليبيا في عهد ديفيد كامرون مع فرنسا بقيادة نيكولا ساركوزي الاكثر عدوانية وحماسة, ليس فقط طمعاً في نفط ليبيا وانما ايضا لإخفاء تورّطِه بالحصول على أموال من نظام القذافي لتمويل حملته الانتخابية الرئاسية, والتي دين بها لاحقاً ويواجِه خطراً حقيقياً لفقدان مستقبله السياسي إن لم يكن قد فقدَه أصلاً. فيما ايطاليا تُخفي موقفها الحقيقي وبخاصة معارَضتها أي تدخل عسكري في مستجدات الازمة الليبية الحالية, خلف الخوف من موجة جديدة من اللاجئين اليها. واللافت هنا إن لم يكن من الطريف ايضاً ان حكومة فايز السراج «استغلّت» الخوفَ الإيطالي فراحت تُحذّر منه وتضغط باتجاه انتزاع موقف أُوروبي ضد حفتر. إذ قالت إن (800) ألف مهاجِر ليسوا الوحيدين، فهناك آلاف «الليبيين» سيضطرون للفرار من الحرب الى البحر. ولم تنس حكومة السراج التحذير من عودة داعش, ما يستبطِن في طيّاته تذكير الأوروبيين بانها هي التي هزمت داعش في معركة سرت وإخراجهم منها.علماً ان وسائل إعلام إقليمية وليبية مُناصرة لحفتر, اتّهمت تركيا المؤيدة بقوة لحكومة السراج, التي يحسبها كثيرون على تيارات الاسلام السياسي وبخاصة جماعة الاخوان المسلمين الليبية, قامت بنقل مئات من مقاتلي داعش من سوريا الى ليبيا للمشارَكة في وقف هجوم حفتر.

قد يكون من السابق لأوانه التكهّن باقتراب موعد حسم معركة طرابلس لصالح أحد الطرفين, في ظل الانباء المتضاربة عن انتصارات يُحققها هذا الطرف او ذاك, وبخاصة مع اعتراف مبعوث الامم المتحدة الى ليبيا غسان سلامة في مقابلات وتصريحات صحفية, اأن كلا طرفي الصراع (حفتر والسراج) يحصلان على مساعدة من الخارج بالأموال والمواد, لكنه اعتبرأن تلك المساعَدة التي تدفقت على كليهما أقل خطورة من التدخلّ الأجنبي العسكري المباشر الذي لم يستبعِده على أي حال. ما يضع الاحتمالات مفتوحة أمام تطورات قد تكون دراماتيكية وبخاصة بعد دخول الولايات المتحدة بقوة على خط الأزمة ووقوفها الى جانب المشير حفتر, مُعترِفة بـ«الدور الجوهري له في مكافحة الارهاب, وضمان أمن الموارد النفطية لبلاده»، الأمر الذي يمكن وبالضرورة ان يترتّب عليه مواقف أكثر وضوحاً في دعم معركة حفتر للاستيلاء على طرابلس, بما تُمثله من رمزية وتزيد من فرصه للحصول على «شرعية» واعتراف بالنظام الذي سيقوده المشير. نظام «ناقَشَ» الرئيس ترمب (هاتفياً) مع حفتر (رؤية مُشتركة لانتقال ليبيا, الى نظام سياسي.. مُستقر وديمقراطي», على ما قال بيان صدر عن البيت الابيض الاميركي.

وإذ يرتفع عدّاد الضحايا من المدنيين بعد ان وصل وفق منظمة الصحة العالمية قبل يومين, الى مئتي قتيل ومئات المصابين ومعظمهم من المدنيين, وسط تحذيرات بأن الادوية والمستلزمات الطبية في طرابلس تكفي لمدة لا تزيد على أسبوعين, فإن الاصوات الدولية المُؤثرة والوازنة الداعية الى وقف اطلاق النار والجلوس الى طاولة المفاوضات تبدو ضعيفة بل ربما غير موجودة. ليس فقط في ظِل تمسّك حفتر والسراج بمواقِفهما المتشددة، حيث الاول يرفض أي وقف لاطلاق النار قبل هزيمة الارهابيين, فيما الثاني يرفض من جانبه المشارَكة في اي عملية سياسية بغياب وقف اطلاق النار, والعودة الى الخطوط القائمة قبل بدء التصعيد, على ما قال المبعوث الدولي غسان سلامة, الذي يضع مسؤولية التصعيد على كاهل المشير حفتر، وانما ايضا بعد دخول واشنطن المباشر في الازمة, بكل ما يحمله الدخول من توفير رياح مناسبة وقوية لأشرعة حفتر, الذي بات يحظى بدعم طيف دولي وإقليمي واسع, وإن كان مُتناقِضاً ومختلف الأهداف والغايات, والذي يندرج بلا شك في لعبة أمم جديدة ساحتها هذه المرة ليبيا, رغم أن الحذر والترقّب هما سيدا الموقف لدى الجميع, حيث بات يتطلب إعادة قراءة للملف الليبي بأكمله, بعد مُستجدات الموقف الاميركي الداعم لحفتر, وبخاصة من قِبل روسيا وفرنسا والصين وايضاً المانيا وبريطانيا وايطاليا، لأن ادارة ترمب(وهنا ربما بل نُجازِف القول بالتأكيد) ستسعى الى مُصادرة «الملف» واحتكارِه والدفع بالمشير لوضع كل بيضه في السلة الاميركية, مقابل تمكينِه من دخول طرابلس دخول الفاتحين, وإعلان هزيمة «الإرهاب» الذي مَنحَته واشنطن «شخصيا ومُسبَقاً».. دوراً جوهرياً في مكافَحتِه.